ولما أجابوا إلى الخروج قال عز الدين جرديك لا ينبغي أن يخرج منهم أحد حتى يخرج الناس من البلد خشية أن يتخطفهم الناس وكان الناس قد داخلهم الطمع في البلد وأخذ عز الدين يشتد في ضرب الناس وإخراجهم وهم غير مضبوطين بعد ولا محصورين في مكان فكيف يمكن إخراجهم وطال الأمر إلى أن علا النهار وأنا ألومه وهو لا يرجع عن ذلك والزمان مضى ولما رأيت الوقت كاد يفوت قلت إن النجدة قد وصلت والمصلحة المسارعة في إخراجهم والسلطان قد أوصاني بذلك فلما عرف السبب في حرصي أجاب إلى إخراجهم ومضينا إلى باب القلعة القريب من الباب الذي الملك العادل قائم عنده فأخرجنا تسعة وأربعين نفراً بخيولهم ونسائهم وسيرناهم ولما خرج هؤلاء اشتد الباقون وحدثتهم نفوسهم بالعصيان وكان سبب خروج من خرجوا أنهم استقلوا المراكب التي جاءتهم وظنوا أن لا نجدة لهم فيها ولم يعلموا أن الأنكتار مع القوم ورأوهم قد تأخروا عن النزول إلى علو النهار فخافوا أن يمتنعوا فيؤخذوا ويقتلوا فخرج من خرج ثم بعد ذلك قربت النجدة حتى صاروا خمسة وثلاثين مركباً فقويت نفوس الباقين في الحصن وظهرت عليهم أمارات العصيان ودلائله وخرج منهم من أجبرني بتشويش عزمهم وأخذا الطارقيات والجنوبيات وعلوا على الأسوار وكانت القلعة جديدة لم تشرف بعد فلما رأيت الأمر قد آل إلى ذلك نزلت من التل الذي كنت واقفاً عليه وهو ملاصق لباب القلعة وقلت لعز الدين جرديك وهو مع عسكره في الأسفل مع جمع من الأجناد خذوا حذركم فقد تغيرت عزائم القوم فما كانت إلا ساعة بحيث صرت خارج البلد في خدمة الملك الظاهر إلا وقد ركب القوم خيلهم وحملوا من القلعة حملة الرجل الواحد وأخرجوا من كان في البلد من الأجناد ولقد ازدحم الناس في الباب حتى كاد يتلف منهم جماعة وبقي في بعض الكنائس جماعة من أتباع العساكر مشتغلين بما لا يجوز فهجموا عليهم وقتلوا منهم وأسوا وسيرني الملك الظاهر إلى والده السلطان أعرفه بالحال فأمر الجاويش أن ينادي في العسكر وضرب الكؤوس للقتال ونفر الناس من كل جانب للغزاة وهجموا البلد وحشر العدو في القلعة فأيقنوا بالبوار واستبطأوا نزول النجدة إليهم وخافوا خوفاً عظيماً فأرسلوا بطركهم والقسطلان رسولان إلى السلطان يعتذران إليه مما جرى ويسألان القاعدة الأولى فخرجا إلى السلطان والقتال يشتد عليهم وكان سبب انقطاع النجدة أنهم رأوا البلد مشحوناً ببيارق المسلمين ورجالهم فخافوا أن تكون القلعة قد أخذت وكان البحر يمنع من سماع الصوت من كل جانب لكثرة الضجيج والتهليل. فلما رأى من في القلعة شدة الزحف عليهم وامتناع النجدة من النزول مع كثرتها فإنها بلغت نيفاً وخمسين مركباً منها خمسة عشر شانياً فيها شاني الملك علموا أن النجدة ظنت أن البلد قد أخذ، ورهب واحد نفسه للمسيح وقفز من القلعة إلى الميناء وكانت رملاً فلم يصبه شيء واشتد عدواً حتى أتى البحر فخرج له شاني وأخذه إلى شاني الملك فحدثه بالحديث فلما شعر الأنكتار أن القلعة مع أصحابه اندفع يطلب الساحل وكان أول شاني ألقى من فيه بالبرشانية وكان أحمر ورقبته حمراء وبيرقه أحمر فما كانت إلا ساعة حتى نزل كل من في الشواني إلى الميناء، هذا كله وأنا أشاهد ذلك ثم حملوا على المسلمين فاندفعوا بين أيديهم وأخرجوهم من الميناء وكان تحتي فرس فسقته إلى السلطان وأخبرته الخبر وبين يديه الرسولان وقد أخذ القلم بيده ليكتب لهم الأمان فعرفته في أذنه ما جرى فامتنع من الكتابة وشغلهم بالحديث فما كان إلا ساعة حتى فر المسلمون نحو السلطان فصاح في الناس فركبوا وقبض على الرسولين وأمر بترحيل الثقل والأسواق إلى بازور فرحل الناس وتخلف لهم ثقل عظيم مما كانوا نهبوه من يافا لم يقدروا على نقله ورحل الثقل وبقي السلطان جريدة في الليل وبات ليلته هناك وخرج الأنكتار إلى موضع السلطان الذي كان فيه لضيق البلد وأمر من في القلعة أن يخرجوا إليه معظم سواده فاجتمع به جماعة من المماليك وجرت بينهم أحاديث ومجاوبات كثيرة.
ذكر حديث الصلح