The Life of Saladin

ذكر كيفية بقاء القلعة في يد العدو
Read with the dictionary

ولما كان يوم الجمعة ثامن عشر رجب أصبحت المنجنيقات وقد نصبت وحجارتها قد جمعت من الأودية والأماكن البعيدة لعدم الحجر في ذلك المكان وظلت ترمي البدنة المنقوبة وزحف السلطان وزحف ولده الملك الظاهر عز نصره زحفاً شديداً وزحف عسكر الملك العادل من الميسرة فإنه كان مريضاً وارتفعت الأصوات وضربت الكؤوسات وخفقت البوقات ورمت المنجنيقات وأحاط بهم الويل واشتد عزم النقابين في إيقاد النار فما مضى من النهار ساعتان إلا ووقعت البدنة وكان وقعها كوقع الواقعة ونادى الناس إلا أن البدنة قد وقعت فلم يبق من له أدنى إيمان إلا وزحف. ولا قلب من العدو إلا أرعد ورجف، هذا الزحف وهم على القتال أشد وأحزم. وعلى الموت أعزم وأكرم. وذلك أنها لما وقعت علا لها دخان وغبار. وأظلم الأفق وعميت عين النهار. وما تجاسر أحد على الولوج خوفاً من اقتحام النار. فلما انكشفت الظلمة ظهرت أسنة قد نابت مناب الأسوار. ورماح قد سدت الثلمة حتى غيبت نفوز الأبصار. ولقد رأيت رجلين على ممشى السور يمنعان المتسلق عليه من جهة الثلمة وقد أتى أحدهما حجر المنجنيق فأخذه ونزل إلى داخل وقام رفيقه مقامه متصدياً لمثل ما لحق صاحبه في ساعة أسرع من لمح العيون بحيث لم يفرق بينهما فارق.

ولما رأى العدو ما آل الأمر إليه سيروا رسولين إلى السلطان يلتمسون الأمان فقال رحمه الله الفارس بالفارس والتركبيلي بمثله والراجل بالراجل والعاجز على قطيعة القدس فنظر الرسول فرأى القتال على الثلمة أشد من إضرام النار فسأل السلطان أن يبطل القتال إلى أن يعود فقال لا أقدر على منع المسلمين من هذا الأمر ولكن ادخل إلى أصحابك فقل لهم يتجاوزون إلى القلعة ويتركون الناس يشتغلون بالبلد فما بقي دونه مانع فعاد الرسول بهذه الرسالة فانحاز العدو إلى قلعة يافا بعد أن قتل منهم جماعة عظيمة ودخل الناس البلد عنوة ونهبوا منه أقمشة عظيمة وغلالاً كثيرة وأثاثاً وبقايا قماش مما نهب من القافلة المصرية واستقرت القاعدة على الوجه الذي قرره السلطان.

ولما كان عصر الجمعة المباركة وصل السلطان كتاب من قايماز النجمي وكان في طرف العدو لحمايته من عسكر العدو الذي كان في عكا يخبر فيه أن الأنكتار لما سمع خبر يافا أعرض عن قصد بيروت وعاد إلى قصد يافا فاشتد عزم السلطان على تتمة الأمر وتسلم القلعة ممن لا ير الأمان لأنه قد لاح أخذهم وكان الناس لهم مدة لم يظفروا من العدو بمغنم ونوبتهم عليه فكان أخذهم عنوة مما بعث همم العسكر غير أن الأمان وقع واتفق الصلح فكنت بعد ذلك ممن يحث على إخراج العدو من القلعة وتسلمها خوفاً من لحوق النجدة وكان السلطان يشتهي خروجه غير أن الناس قد أقعدهم التعب عن إتمام الأمر وأخذ منهم الحديد وشدة الحر ودخان النار بحيث لم تبق لهم استطاعة على الحركة وأقام السلطان يحثهم إلى أن هوى الليل فلما رأى ما قد نزل بالناس من التعب ركب وسار إلى خيمتي وعندي من الخوف ما أقلقني عن النوم.

ولما كان سحر تلك الليلة سمعنا بوق الإفرنج قد نعق فعلمنا بوصول النجدة قد وصلت من البحر فاستدعاني السلطان من وقته وقال لا شك أن النجدة قد وصلت في البحر، وعلى الساحل من عساكر الإسلام من يمنعهم من النزول والمصلحة أن تسير إلى الملك الظاهر وتقول له أن يقف بظاهر الباب القبلي وتدخل أنت ومن تراه إلى القلعة وتخرجون القوم وتستولون على ما فيها من الأموال والأسلحة وتكتبها بخطك إلى الملك الظاهر خارج البلد وهو يسيرها إلي ويسير معي لتقوية البلد مع ذلك عز الدين جرديك وعلم الدين قيصر ودرباس المهراني فسرت من ساعتي ومعي شمس الدين عدل الخزانة حتى أتيت الملك الظاهر وهو نائم على شليته على تل قريب البحر في اليزك وعليه كراغنده وهو بلأمة حربه فلا ضيع الله صنعهم في نصرة الإسلام فأيقظته فقام والنوم في عينيه وسرت في خدمته وهو يستفهم مني رسالة السلطان حتى وقف حيث أمره ودخلنا نحن إلى يافا وأتينا القلعة وأمر الإفرنج بالخروج فأجابوا إلى ذلك وتهيئوا للخروج.

ذكر كيفية بقاء القلعة في يد العدو

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account