The Life of Saladin

ذكر فتح يافا وما جرى فيه من الوقائع
Read with the dictionary

ولما كان صباح الثلاثاء خامس عشرة رحل طالباً جهة يافا فخيم عليها ضحوة النهار ورتب العسكر ميمنة وميسرة وقلباً وكان طرف الميمنة على البحر وطرف الميسرة أيضاً على البحر والسلطان في الوسط وكان صاحب الميمنة الملك الظاهر أعز الله نصره وصاحب الميسرة أخاه الملك العادل والعساكر فيما بينهما. ولما كان السادس عشر من الشهر زحف الناس إليها واستحقروا أمرها استحقاراً عظيماً ثم رتب السلطان الناس للقتال وأحضر المنجنيقات وركبها على أضعف موضع في السور مما يلي الباب الشرقي وشرع النقابون في السور وارتفعت الأصوات وعظم الضجيج واشتد الحزم والزحف فأخذ النقابون النقب من شمالي الباب الشرقي إلى الزاوية بطول البدنة وكان قد هدم المسلمون ذلك المكان في الحصار الأول وبناه الإفرنج وتمكن النقابون من النقب ودخلوا فلم يشك الناس في أخذ البلد في هذا اليوم، هذا وأمر العدو في ازدياد وكان الملك قد توجه من عكا إلى بيروت وهذا الذي حمل السلطان على نزوله على يافا ثم انفصل ذلك اليوم عن قتال شديد قد ضرس العدو منه وظهر من العدو من الشدة والحمية والذب والمنعة ما أضعف قلوب الناس، هذا والنقابون قد تمكنوا من النقب عليهم فما قارب الفراغ أخذ العدو في خسف النقب عليهم فخسفوه في مواضع عدة وخاف النقابون وخرج منهم جماعة وفتر الناس عن القتال وعلموا أن أمر البلد مشكل وأنه يحتاج إلى زيادة عمل في أخذه فعزم السلطان عزم مثله فأمر النقابين أن يأخذوا النقب في بقية البدنة من الرج إلى الباب وأمر المنجنيقات أن تضرب قبالة البدنة المنقوبة ففعلوا ذلك وأقام السلطان في تلك الليلة هناك إلى أن مضى من الليل ثلثه وعاد إلى الثقل وكان الثقل بعيداً عن البلد على تل قبالته وأصبحت المنجنيقات قد أقيم منها اثنان وأقيم الثالث في بقية النهار وأصبح السلطان على القتال والزحف فلم يجد من الناس إلا الفتور بسبب نصب المنجنيقات ظناً منهم أن المنجنيق لا يعمل إلا بعد أيام. ولما علم السلطان من الناس الفتور والتواكل حملهم على الزحف فالتحم القتال وتشتد الأمر وأذاقوا العدو مر الحرب فأشرف البلد على الأخذ واتفقت النفوس وطمعت في ذلك طمعاً شديداً وضعف العدو إلا أنه جرح من المسلمين جماعة من بالنشاب والزنبورك من البلد. ولما رأى العدو المخذول ما حل به أرسل رسولين نصرانياً وإفرنجياً يطلبان الصلح ويتحدثان فيه فطلب السلطان منهم قاعدة القدس وقطيعته فأجابوا إلى ذلك واشترطوا أن ينظر إلى يوم السبت الذي هو تاسع عشر رجب فإن جاءتهم النجدة وإلا تمت القاعدة على ما استقر فأبى السلطان الإنظار فعاد الرسول ثم رجعوا يسألونه الإنظار فأبى ذلك وفتر الناس عن القتال بسبب تواصل الرسل سكوناً إلى الدعة على جاري العادة فأمر السلطان النقابين بحشو النقب بعد انتهائه ففعلوا ذلك ووضعت النار فيه فوقع نصف البدنة وكان العدو قد عرف وقوع النار في النقب وعلم أن ذلك المكان يقع فعمد إلى أخشاب عظيمة وهيأها خلف ذلك المكان فلما وقع ذلك المكان التهبت النيران فمنعت من الدخول إلى الثلمة ثم أمر السلطان الناس فزحفوا وضايقوا القوم مضايقة عظيمة فلله درهم من رجال أقيال ما أشدهم وأعظم بأسهم فإنهم مع هذا كله لم يغلقوا لها باباً ولم يزالوا يقاتلون خارج الأبواب أعظم قتال حتى فصل الليل بين الطائفتين ولم نقدر على البلد في ذلك اليوم بعد حرق النقوب في باقي البدنة وضاق صدر السلطان لهذا الأمر وتقسم فكره وندم طيق لم يجبهم إلى الصلح وبات تلك الليلة في المخيم وقد عزم على أن يقيم تمام خمسة مناجيق تضرب بعضها البدنة الضعيفة بسبب النقوب والنيران والخسف من جانبهم.

ذكر فتح يافا وما جرى فيه من الوقائع

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account