ثم أمر المنادي أن ينادي في الوطاقات والأسواق ألا أن الصلح قد انتظم في سائر بلادهم فمن شاء من بلادهم أن يدخل إلى بلادنا فليفعل، ومن شاء من بلادنا أن يدخل إلى بلادهم فيفعل، وأشار رحمة الله عليه أن طريق الحج قد فتح من الشام ووقع له عزم على الحج في ذلك المجلس وكنت حاضراً ذلك جميعه، وأمر السلطان أن تسير مائة نقاب لتخريب سور عسقلان معهم أمير كبير ولإخراج الإفرنج منها ويكون معهم جماعة من الإفرنج إلى حين وقوع الخراب في السور خشية استبقائه عامراً. وكان يوماً مشهوداً غشي الناس من الطائفتين فيه من الفرح والسرور ما لا يعلمه إلاّ الله تعالى، والله العظيم إن الصلح لم يكن من إيثاره، فإنه قال لي في بعض محاوراته في الصلح أخاف أن أصالح وما أدري أيّ شيء يكون مني فيقوى هذا العدو وقد بقيت لهم هذه البلاد فيخرجوا لاسترداد بقية بلا دهم ونرى كل واحد من هؤلاء الجماعة قد قعد في رأس قلعته يعني حصنه وقال لا أنزل فيهلك المسلمون. هذا كلامه وكان كما قال، لكنه رأى المصلحة في الصلح لسآمة العسكر وتظاهرهم بالمخالفة وكانت مصلحة في علم الله تعالى، فإنه اتفقت وفاته بعيد الصلح، ولو كان اتفق ذلك في أثناء الوقعات لكان الإسلام على خطر، فما كان الصلح إلاّ توفيقاً وسعادة له.
ذكر خراب عسقلان
ولما كان الخامس والعشرون من شعبان ندب السلطان علم الدين قيصر إلى خراب عسقلان، وسيّر معه جماعة من النقابين والحجارين واستقر أن الملك ينفذ من يافا من يسير معه ليقف على التخريب ويخرج الإفرنج منها فوصلوا إليها من الغد فلما أرادوا التخريب اعتذر الأجناد الذين بها بأن لنا على الملك جانكية لمدة فإما أن يدفعها إلينا ونخرج أو ادفعوها أنتم إلينا، فوصل بعد ذلك رسول الملك يأمرهم بالخروج فخرجوا ووقع التخريب فيها في السابع والعشرين من شعبان واستمر يخربها وكتب على الجماعة رقاعاً بالمعاونة على التخريب وأعطى كل واحد قطعة معلومة في السور وقيل له دستورك في تجريبها.
ولما كان التاسع والعشرون رحل السلطان إلى النطرون واختلط العسكران وذهب جماعة من المسلمين إلى يافا في طلب التجارة ووصل خلق عظيم من العدو إلى القدس للحج وفتح لهم السلطان الباب وأنفذ معهم الخفراء يحفظونهم حتى يردهم إلى يافا، وكثر ذلك من الإفرنج، وكان غرض السلطان بذلك أن يقضوا غرضهم من الزيارة ويرجعوا إلى بلا دهم فيأمن المسلمون من شرهم.
ولما علم الملك كثرة من يزور منهم صعب عليه ذلك وسير إلى السلطان يسأله منع الزوار واقترح أن لا يؤذن لهم إلا بعد حضور علامة من جانبه أو كتابة، وعلمت الإفرنج ذلك فعظم عليهم واهتموا في الحج فكان يرد منهم في كل يوم جموع كثيرة مقدمون وأسباط وملوك متنكرون، وشرع السلطان في إكرام من يرد ومد الطعام ومباسطتهم ومحادثتهم وعرفهم إنكار الملك ذلك، واعتذر إلى الملك بأن قوماً قد وصلوا من بعد ذلك لزيارة المكان الشريف فلا أستحل منعهم، ثم اشتد المرض بالملك فرحل في ليلة التاسع والعشرين وسار هو والكندهري وسائر العدو إلى جانب عكا ولم يبق في يافا إلا مريض أو عاجز ونفر يسير.
ذكر عود العساكر الإسلامية إلى أوطانهم
ولما انقضى هذا الأمر واستقرت القواعد أعطى السلطان الناس دستوراً وكان أول من سار عسكر إربل، فإنه سار في مستهل شهر رمضان المبارك، ثم سار بعده في ثانية عسكر الموصل وسنجار والحصن، أشاع أمر الحج وقوى عزمه على براءة الذمة، وكان هذا مما وقع لي وبدأت بالإشارة به، فوقع منه موقعاً عظيماً، وأمر الديوان وكل من عزم على الحج من العسكر أن يثبت اسمه حتى يحصر عدة من يدخل معنا في الطريق وكتب جرائد بما يحتاج إليه في الطريق من الخلع والأزواد وغيرها وسيرها إلى البلاد ليعدوها.