ولما أعطى الناس دستوراً وعلم عود العدو رجع إلى ورائه رأى الدخول إلى القدس الشريف لتهيئة أسباب عمارته والنظر في مصالحه والتأهب في المسير إلى الحج، فرحل من النطرون يوم الأحد رابع يوم شهر رمضان وسار حتى أتى ماء صمويل يفتقد الملك العادل فوجده قد سار إلى القدس، وقد كنت عنده رسولاً من جانب السلطان أنا والأمير بدر الدين دلدرم والعدل، وكان قد انقطع عن أخيه بسبب مرضه، وكان قد تماثل فعرفناه مجيء السلطان إلى ماء صمويل لعيادته فحمل على نفسه وسار معنا حتى لقيه في ذلك المكان وهو أول وصوله إلى ماء صمويل ولم ينزل بعد فلقيه ونزل وقبّل الأرض وعاد فركب فاستدناه وسأله عن مزاجه وسار جميعاً حتى أتيا القدس الشريف في بقية ذلك اليوم.
ذكر وصول رسول من بغداد
ولما كان يوم الجمعة الثالث والعشرون من شهر رمضان صلّى الملك العادل الجمعة وانصرف إلى الكرك عن دستور من السلطان لينظر في أحواله ويعود إلى البلاد الشرقية يدبّرها، فإنه كان قد أخذها من السلطان وكان قد ودّع السلطان، فلما وصل العازرية نزل بها مخيماً فوصله من أخبر أن رسولاً من بغداد واصل إليك فأنفذ إلى السلطان وعرفه فذكر له أن يجتمع ويطالع ما وصل فيه فلما كان السبت الرابع والعشرون دخل إلى الخدمة السلطانية وذكر أن الرسول قد وصل إليه من جانب ابن النافذ بعد أن ولي نيابة الوزارة ببغداد ومقصود الكتاب أنه يحثه على استعطاف قلب السلطان إلي لخدمة الشريفة والدخول بينه وبين الديوان العزيز والإنكار عليه بتأخر رسله عن العتبة الشريفة واقتراح تسيير القاضي الفاضل ليحضر الديوان العزيز في تقرير قاعدة تتحرر بينه وبين السلطان لا بد منها وقد وعد الملك العادل من الديوان بوعود عظيمة إذا قرر ذلك ويكون له يد عند الديوان يستثمرها فيما بعد وما يشبه هذا الفن فحدثت عند السلطان فكرة في إنفاذ رسول يسمع كلام الديوان ويستعلم سبب دخول الملك العادل في البين وزاد الحديث ونقص وطال وقصر وقوي العزم السلطاني على إنفاذ الضياء الشهرزوري وعاد الملك العادل إلى مخيمه بالعازرية بعد تقرير هذه القاعدة وعرفه إجابة السلطان إلى إنفاذ رسول إلى خدمة الديوان العزيز وسار يوم الاثنين طالباً جهة الكرك وسار الضياء متوجهاً إلى بغداد يوم الثلاثاء السادس والعشرين من شهر رمضان.
ذكر توجه ولده الملك الظاهر إلى بلاده ووحشة السلطان له
ولما كانت بكرة التاسع والعشرين توجه الملك الظاهر عز نصره بعد أن ودعه ونزل إلى الصخرة فصلى عندها وسأل الله تعالى ما شاء ثم ركب وركبت في خدمته فقال لي قد تذكرت أمراً أحتاج فيه إلى مراجعة السلطان مشافية فأنفذ من استأذن له العود إلى خدمته فأذن له في ذلك فحضر واستحضرني وأخلى المكان ثم قال له: أوصيك بتقوى الله تعالى فإنها رأس كل خير وآمرك بما أمر الله به فإنه سبب نجاتك وأحذرك من الدماء والدخول فيها والتقلد بها فإن الدم لا ينام وأوصيك بحفظ قلوب الرعية والنظر في أحوالهم فأنت أميني وأمين الله عليهم وأوصيك بحفظ قلوب الأمراء وأرباب الدولة والأكابر فما بلغت ما بلغت إلا بمداراة الناس ولا تحقد على أحد فإن الموت لا يبقي على أحد واحذر ما بينك وبين الناس فإنه لا يغفر إلا برضاهم وما بينك وبين الله يغفره الله بتوبتك إليه فإنه كريم. وكان ذلك بعد انصرفنا من خدمته ومضى من الليل ما شاء الله إن يمضي وهذا ما أمكنني حكايته وضبطه ولم يزل بين يديه إلى قريب السحر ثم أذن له في الانصراف ونهض ليودعه فقبل وجهه ومسح رأسه وانصرف في دعة الله ونام في برج الخشب الذي للسلطان وكنا نجلس عنده في الأحياء إلى بكرة وانصرفت في خدمته إلى بعض الطريق وودعته وسار في حفظ الله.
ثم سير الملك الأفضل ثقله وأقام يراجع السلطان على لساني في أشغال كانت له حتى دخل في شوال أربعة أيام وسار في ليلة الخامس منه نصف الليل عن تعتب عليه جريدة على طريق الغور.
ذكر مسيره رحمه الله من القدس الشريف