ولما تصفح الملك العادل أخبار الكرك وأمر بإصلاح ما قصد إصلاحه منه عاد طالباً البلاد الفراتية فوصل أرض دمشق يوم الأربعاء سابع عشر ذي القعدة وكان السلطان قد خرج إلى لقائه وأقام يتصيد حوالي عباب إلى الكسوة حتى لقيه وسارا جميعاً وكان دخولهما دمشق آخر نهار الأحد الحادي والعشرين وأقام السلطان بدمشق يتصيد هو وأخوه وأولاده ويتفرجون في أرض الشام وموطن الظباء وكأنه وجد راحة مما كان فيه من ملازمة التعب وسهر الليل ونصب النهار وما كان ذلك إلا كالوداع لأولاده ومرابع تنزهه وهو لا يشعر ونسي عزمه المصري وعرضت له أمور أخرى وعزمات غير ذلك ووصلني كتابه إلى القدس يستدعيني إلى خدمته وكان شتاءً شديداً ووحل عظيم فخرجت من القدس الشريف في يوم الجمعة الثالث والعشرين من المحرم سنة تسع وثمانين وكان الوصول إلى دمشق يوم الثلاثاء ثاني عشر صفر سنة تسع وكان وصل أوائل الحج على طريق دمشق واتفق حضوري والملك الأفضل حاضر في الإيوان الشمالي وفي خدمته خلق من الأمراء وأرباب المناصب ينتظرون جلوس السلطان لخدمته فلما شعر بحضوري استحضرني وهو وحده قبل أن يدخل إليه أحد فدخلت عليه فقام ولقيني لقاءً ما رأيت أشد من بشره بي فيه ولقد ضمني إليه ودمعت عينه.
ذكر لقائه للحجاج
ولما كان يوم الأربعاء ثالث عشر صفر طلبني فحضرت عنده فسألني عمن في الإيوان فأخبرته أن الملك الأفضل جالس في الخدمة والأمراء والناس في خدمته فاعتذر إليهم على لسان جمال الدولة إقبال. ولما كانت بكرة الخميس استحضرني فحضرت عنده في صفة البستان وعنده أولاده الصغار فسأل عن الحاضرين فقيل له رسل الإفرنج وجماعة الأمراء والأكابر فاستحضر رسل الإفرنج إلى ذلك المكان فحضروا وكان له ولد صغير وكان كثيراً ما يميل إليه يسمى الأمير وكان حاضراً وهو يداعبه فلما وقع بصره على الإفرنج ورأى أشكالهم وحلق لحاهم وقص شعورهم وما عليهم من الثياب غير المألوفة خاف منهم وبكى فاعتذر إليهم وصرفهم بعد أن حضروا ولم يسمع كلامهم وقال إن لي اليوم شغلاً وكان عادته المباسطة ثم قال أحضروا لنا ما تيسر فأحضروا أرزاً بلبن وما شابه ذلك من الأطعمة الخفيفة فأكل وكنت أظن أنه ما عنده شهوة وكان في هذه الأيام يعتذر إلى الناس لثقل الحركة عليه وكان بدنه ملتاثاً ممتلئاً وعنده كسل فلما فرغنا من الطعام قال ما الذي عندك من خبر الحاج فقلت اجتمعت بجماعة منهم في الطريق ولولا كثرة الوحل لدخلوا اليوم ولكنهم غداً يدخلون. فقال نخرج إن شاء الله إلى لقائهم وتقدم بتنظيف طرقاتهم من المياه فإنها سنة كثيرة الأنداء وقد سالت المياه في الطرق والأنهار. وانفصلت من خدمته ولم أجد عنده من النشاط ما كنت أعرفه ثم ركب في بكرة الجمعة وتأخرت عنه قليلاً ثم لقيته وقد لقي الحاج وكان فيهم سابق الدين وقرالاً الياروقي وكان كثير الاحترام للمشايخ فلقيهم ثم لحقه الملك الأفضل وأخذ يحدثني فنظرت إلى السلطان فلم أجد عليه كزاغنده وما كان له عادة بركب بدونه وكان يوماً عظيماً قد اجتمع فيه للقاء السلطان والتفرج عليه معظم من في البلد فلم أجد الصبر دون أن سرت إلى جانبه وحدثته في إهمال هذا فكأنه استيقظ فطلب الكزاغند فلم يوجد الزرد كماش فوجدت لذلك أمراً عظيماً وقلت في نفسي السلطان يطلب ما لا بد منه في عادته ولا يجده ووقع في قلبي تطير بذلك فقلت له أليس ثم طريق نسلكه ليس فيه خلق كثير فقال بلى ثم سار بين البساتين فطلب جهة المنيع وسرنا في خدمته وقلبي يرعد لما قد وقع فيه من الخوف عليه فسار حتى أتى القلعة فعبرا على الجسر إلى القلعة وهو طريقه المعتاد وكانت آخر ركوبه.
مرضه رحمة الله عليه