The Life of Saladin

ذكر تحليف الأفضل
Read with the dictionary

ولما كانت ليلة السبت وجد كسلاً عظيماً فما انتصف الليل حتى غشيته حمى صفراوية كانت في باطنه أكثر من ظاهره وأصبح في يوم السبت سادس عشر صفر سنة تسع وثمانين متكسلاً عليه أثر الحمى ولم يظهر ذلك للناس لكن حضرت أنا والقاضي الفاضل ودخل ولده الملك الأفضل وطال جلوسنا عنده وأخذ يشكو من قلقه في الليل وطال به الحديث إلى قريب الظهر ثم انصرفنا والقلوب عنده فتقدم إلينا بالحضور على الطعام في خدمة الملك الأفضل ولم يكن القاضي عادته ذلك فانصرف ودخلت أنا إلى الإيوان وقد مد الطعام والملك الأفضل قد جلس في موضعه فانصرفت وما كان لي قوة على الجلوس استيحاشاً وبكى جماعة تفاؤلاً بجلوس ولده في موضعه، ثم أخذ المرض في تزايد من حينئذ ونحن نلازم التردد طرفي النهار وندخل إليه أنا والقاضي الفاضل في النهار مراراً ويعطي الطريق في بعض الأيام التي يجد فيها خفة وكان مرضه في رأسه وكان من أمارات انتهاء العمر إذ كان قد ألف مزاجه سفراً وحضراً ورأى الأطباء قصده فقصدوه في الرابع فاشتد مرضه وقلّت رطوبات بدنه وكان يغلب عليه اليبس غلبة عظيمة ولم يزل المرض يتزايد حتى انتهى إلى غاية الضعف. ولقد جلسنا في سادس مرضه وأسندنا ظهره إلى مخدة وأحضر ماءً فاتراً ليشرب عقيب شرب دواء لتليين الطبيعة فشربه فوجده شديد الحرارة فشكا من شدة حرارته وعرض عليه ماء ثان فشكا من برده ولم يغضب ولم يصخب ولم يقل سوى هذه الكلمات: سبحان الله ألا يمكن أحداً تعديل الماء. فخرجت أنا والقاضي الفاضل من عنده وقد اشتد بنا البكاء والقاضي الفاضل يقول لي: أبصر هذه الأخلاق التي قد أشرف المسلمون على مفارقتها، والله لو أن هذا بعض الناس لضرب بالقدح رأس من أحضره. واشتد مرضه في السادس والسابع والثامن ولم يزل يتزايد ويغيب ذهنه.

ولما كان التاسع حدثت عليه غشية وامتنع من تناول المشروب فاشتد الخوف في البلد وخاف الناس ونقلوا الأقمشة من الأسواق وغشي الناس من الكآبة والحزن ما لا يمكن حكايته. ولقد كنت أنا والقاضي الفاضل نقعد في كل ليلة إلى أن يمضي من الليل ثلثه أو قريب منه ثم نحضر في باب الدار فإن وجدنا طريقاً دخلنا وشاهدناه وانصرفنا وإلا عرفونا أحواله من وكنا نجد الناس يترقبون خروجنا إلى أن يلاقونا حتى يعرفوا أحواله من صفحات وجوهنا.

ولما كان العاشر من مرضه حقن دفعتين وحصل من الحقن راحة وحصل بعض خفة وتناول من ماء الشعير مقداراً صالحاً وفرح الناس فرحاً شديداً فأقمنا على العادة إلى أن مضى من الليل هزيع ثم أتينا إلى الدار فوجدنا جمال الدولة إقبالاً فالتمسنا منه تعريف الحال المستجد فدخل وأنفذ إلينا مع الملك المعظم تورانشاه جبره الله تعالى أن العرق قد أخذ في ساقيه فشكرنا الله تعالى على ذلك والتمسنا منه أن يمس بقية قدمه ويخبرنا بحاله في العرق فتفقده ثم خرج إلينا وذكر أن العرق سابغ وانصرفنا طيبة قلوبنا ثم أصبحنا في الحادي عشر من مرضه وهو السادس والعشرين من صفر فحضرنا بالباب وسألنا عن الأحوال فاخبرنا بأن العرق أفرط حتى نفذ في الفراش ثم في الحصر وتأثرت به الأرض وأن اليبس قد تزايد تزيداً عظيماً وحارت في القوة الأطباء.

ذكر تحليف الأفضل

ولما رأى الملك الأفضل ما حل بوالده وتحقق الناس من موته تسرع في تحنف الناس في دار رضوان المعرفة بسكناه واستحضر القضاة وعمل له نسخة يمين مختصرة محصلة للمقاصد تتضمن الحلف للسلطان مدة حياته وله بعد وفاته واعتذر إلى الناس بأن المرض قد اشتد وما يعلم ما يكون، وما يفعل هذا إلا احتياطاً على جاري عادة الملوك فأول من استحضر للحلف سعد الدين أخو بدر الدين مودود الشحنة فبادر إلى اليمن من غير شرط ثم حضر ناصر الدين صاحب صهيون وذاد أن الحصن الذي في يده له وسابق الدين صاحب شيزر فحلف ولم يذكر الطلاق واعتذر بأنه ما حلف به. ثم حضر خشتر بن حسين الهكاوي وحلف. وحضر أنوشروان الزرزاري وحلف واشترط أن يكون له خبز يرضيه. وحضر علكان وملكان وحلفا ثم مد الخوان وحضر الجماعة وأكلوا.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account