ولما كان العصر أعيد المجلس للتحلف وحضر ميمون القصري رحمه الله وشمس الدين الكبير وقالا نحلف بشرط أن لا نسل في وجه أحد من أخوتك سيفاً لكن رأسي دون بلادك. هذا قول ميمون القصري. وأما سنقر فإنه امتنع ساعة ثم قال: كنت خلفتني على النطرون وأنا عليها وحضر سامه وقال ليس لي خبز فقل لي على أي شيء أحلف. فرجع وحلف وعلق يمينه بشرط أن يعطى خبزاً يرضيه. وحضر سنقر المشطوب وحلف واشترط أن يرضى. وحضر أيبك الأفطس رحمه الله واشترط رضاه. وحضر حسام الدين بشارة وحلف وكان مقدماً على هؤلاء ولم يحضر أحد من الأمراء المصريين ولم يتعرض لهم بل حلف هؤلاء للتقرير. ونسخة اليمين المحلوف بها مضمونها أني من وقتي هذا صفيت نيتي. وأخلصت طويتي. للملك الناصر مدة حياته وأني لا أزال باذلاً جهدي في الذب عن دولته بنفسي ومالي وسيفي ورجالي ممتثلاً أمره واقفاً عند مراضيه. ثم من بعده لولده الأفضل علي ووريثه. ووالله إنني في طاعته وأذب عن دولته وبلاده بنفسي ومالي وسيفي ورجالي وأمتثل أمره ونهيه وباطني وظاهري في ذلك سواء والله على ما أقول وكيل.
ذكر وفاته رحمه الله وقدس روحه
ولما كانت ليلة الأربعاء الثامن والعشرين من صفر وهي الثانية عشرة من مرضه اشتد مرضه وضعفت قوته ووقع من الأمر في أوله وحال بيننا وبينه النساء واستحضرت أنا والقاضي الفاضل تلك الليلة وابن الزكي ولم يكن عادته الحضور في ذلك الوقت وحضر بيننا الملك الأفضل وأمر أن نبيت عنده فلم ير القاضي الفاضل ذلك رأياً فإن الناس كانوا ينتظرون نزولنا من القلعة فخاف إن لم ننزل أن يقع الصوت في البلد وربما نهب الناس بعضهم بعضاً فرأى المصلحة في نزولنا واستحضار الشيخ أبي جعفر إمام الكلاسة وهو رجل صالح ليبيت بالقلعة حتى إذا أحضر رحمه الله بالليل حضر عنده وحال بينه وبين النساء وذكره الشهادة وذكر الله تعالى ففعل ذلك ونزلنا وكل منا يود فداءه بنفسه وبات في تلك الليلة على حال المنتقلين إلى الله تعالى والشيخ أبو جعفر يقرأ عنده القرآن ويذكر الله تعالى وكان ذهنه غائباً من ليلة التاسع لا يكاد يفيق إلا في أحيان. وذكر الشيخ أبو جعفر أنه لما انتهى إلى قوله تعالى: هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة. سمعه وهو يقول رحمة الله عليه: صحيح. وهذه يقظة في وقت الحاجة وعناية من الله تعالى به فلله الحمد على ذلك.
وكانت وفاته بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر سنة تسعة وثمانين وخمسمائة وبادر القاضي الفاضل بعد طلوع الصبح في وقت وفاته ووصلت وقد مات وانتقل إلى رضوان الله ومحل كرمه وجزيل ثوابه، ولقد حكي لي أنه لما بلغ الشيخ أبو جعفر إلى قوله تعالى: لا إله إلا هو عليه توكلت. تبسم وتهلل وجهه وسلمها إلى ربه، وكان يوماً لم يصب الإسلام والمسلمون بمثله منذ فقدوا الخلفاء الراشدين وغشي القلعة والبلد والدنيا من الوحشة ما لا يعلمه إلا الله تعالى. وبالله لقد كنت أسمع من بعض الناس أنهم يتمنون فداءه بنفوسهم وما سمعت هذا الحديث إلا على ضرب من التجوز والترخص إلا في ذلك اليوم فإني علمت من نفسي ومن غيري أنه لو قبل الفداء لفدي بالنفس.