ثم جلس ولده الملك الأفضل للعزاء في الإيوان الشمالي وحفظ باب القلعة إلا عن الخواص من الأمراء والمعممين وكان يوماً عظيماً وقد شغل كل إنسان ما عنده من الحزن والأسف والبكاء والاستغاثة من أن ينظر إلى غيره وحفظ المجلس عن أن ينشد فيه شاعر أو يتكلم فيه فاضل وواعظ. وكان أولاده يخرجون مستغيثين إلى الناس فتكاد النفوس تزهق لهول منظرهم. ودام الحال على هذا إلى ما بعد صلاة الظهر. ثم اشتغل بتغسيله وتكفينه فما أمكننا أن ندخل في تجهيزه ما قيمته حبة واحدة إلا بالقرض حتى في ثمن التبن الذي بلت الطين وغسله الدولعي الفقيه ونهضت إلى الوقوف على غسله فلم تكن لي قوة تحمل ذلك المنظر وأخرج بعد صلاة الظهر في تابوت مسجى بثوب فوط. وكان ذلك وجميع ما احتاج إليه من الثياب في تكفينه قد أحضره القاضي الفاضل من وجه حل عرفه وارتفعت الأصوات عند مشاهدته وعظم من الضجيج والعويل ما شغلهم عن الصلاة فصلى عليه الناس أرسالاً وكان أول من أم بالناس القاضي محيي الدين ابن الزكي ثم أعيد إلى الدار التي في البستان وكان متمرضاً بها ودفن في الصفة الغربية منها. وكان نزوله في حفرته قدس الله روحه ونوّر ضريحه قريباً من صلاة العصر ثم نزل في أثناء النهار ولده الملك الظافر وعزى الناس فيه وسكن قلوب الناس وكان الناس قد شغلهم البكاء عن الإشغال بالنهب والفساد فما وجد قلب إلا حزين ولا عين إلا باكية إلا من شاء الله. ثم رجع الناس إلى بيوتهم أقبح رجوع ولم يعد أحد منهم في تلك الليلة إلا نحن حضرنا وقرأنا وجددنا حالاً من الحزن.
واشتغل في ذلك اليوم الملك الأفضل بكتابة الكتب إلى عمه وأخواته يخبرهم بهذا الحادث. وفي اليوم الثاني جلس للعزاء جلوساً عاماً وأطلق باب القلعة للفقهاء والعلماء وتكلم المتكلمون ولم ينشد شاعر ثم انفض المجلس في ظهر ذلك اليوم واستمر الحال في حضور الناس بكرة وعشية وقراءة القرآن والدعاء له رحمة الله عليه واشتغل الملك الأفضل بتدبير أمر ومراسلة أخوته وعمه.
ثم انقضت تلك السنون وأهلها، فكأنها وكأنهم أحلام تم بعون الله والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
منتخبات
من كتاب التاريخ لصاحب حماه تأليف تاج الدين شاهنشاه بن أيوب رحمه الله تتعلق بسيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر قتل الصالح بن زربك
وفي سنة ست وخمسين وخمسمائة في رمضان قتل الملك الصالح أبو الغارات طلائع بن رزبك الأرمني وزير العاضد العلو جهزت عليه عمة العضد من قتله وهو داخل في القطر بالسكاكين، ولم يمت في تلك الساعة بل حمل إلى بيته، وأرسل يعتب على العاضد، فأرسل العاضد إليه يحلف له أنه لم يرض ولا علم بذلك، وأمسك العاضد عمته وأرسلها إلى طلائع فقتلها، وسأل العاضد أن يولي ابنه رزبك الوزارة ولقب العادل، ومات طلائع واستقر ابنه رزبك في الوزارة.
ذكر ولاية شاور ثم الضرغام
وفي سنة ثمان وخمسين وخمسمائة في صفر وزر شاور للعاضد لدين الله العلوي، وكان شاور يخدم الصالح طلائع بن رزبك فولاه الصعيد، وكانت ولاية الصعيد أكبر المناصب بعد الوزارة. ولما جرح الصالح أوصى ابنه العادل أن لا يغير على شاور شيئاً لعلمه بقوة شاور، ولما تولّى العادل بن الصالح الوزارة كتب إلى شاور بالعزل، فجمع شاور جموعه وسار نحو العادل إلى القاهرة، فهرب العادل وطرد وراءه شاور وأمسكه وقتله، وهو العادل رزبك ابن الصالح طلائع بن رزبك، وانقرضت بقتله دولة بني رزبك، واستقر شاور في الوزارة وتقلب بأمير الجيوش وأخذ أموال بني رزبك وودائعهم، ثم إن الضرغام جمع جمعاً ونازع شاور في الوزارة في شهر رمضان، فقوي على شاور فانهزم شاور إلى الشام مستنجداً بنور الدين. ولما تمكن الضرغام من الوزارة قتل كثيراً من الأمراء المصريين لتخلو له البلاد، فضعفت الدولة بهذا السبب حتى خرجت البلاد من أيديهم.
ثم دخلت سنة تسع وخمسين وخمسمائة