ولقد دخل البرنس أرناط صاحب الكرك مع ملك الإفرنج بالساحل لما أسرهما في وقعة حطين في شهور سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة والواقعة مشهورة تجيء مشروحة في موضعها إن شاء الله تعالى وكان قد أمر بإحضارهما وكان أرناط هذا اللعين كافراً عظيماً جباراً شديداً وكانت قد اجتازت به قافلة من مصر حين كان بين المسلمين وبينهم هدنة فغدرها وأخذها ونكل بهم وعذبهم وأسكنهم المطامير والحبوس الحرجة وذكروا له حديث الهدنة فقال قولوا لمحمدكم يخلصكم فلما بلغه رحمه الله ذلك عنه نذر أنه متى أظفره الله به قتله بنفسه فلما أمكنه الله منه في ذلك اليوم قوى عزمه على قتله وفاءً بنذره فأحضره مع الملك فشكا الملك العطش فأحضر له قدحاً من شراب فشرب منه ثم ناوله أرناط فقال السلطان للترجمان قل للملك أنت الذي سقيته وأما أنا فما أسقيه من شرابي ولا أطعمه من طعامي فقصد رحمه الله أن من أكل من طعامي فالمروءة تقتضي أن لا أؤذيه ثم ضرب عنقه بيده وفاءً بنذره وأخذ عكا وأخرج الأسرى كلهم من ضيق الأسر وكانوا زهاء أربعة آلاف أسير وأعطى كل واحد منهم نفقة يصل بها إلى بلده وأهله. هكذا بلغني على ألسنة جماعة لأني لم أحضر هذه الواقعة.
وكان حسن العشرة لطيف الأخلاق طيب الفكاهة حافظاً لأنساب العرب ووقائعهم عارفاً بسيرهم وأحوالهم حافظاً لأنساب خيلهم عالماً بعجائب الدنيا ونوادرها بحيث كان يستفيد محاضره منه ما لا يسمع من غيره.
وكان حسن الخلق يسأل الواحد منا عن مرضه ومداواته ومطعمه ومشربه وتقلبات أحواله.
وكان طاهر المجلس لا يذكر بين يديه أحد إلا بخير السمع فلا يحب أن يسمع عن أحد إلا الخير وطاهر اللسان فما رأيته ولع بشتم قط، وكان حسن العهد والوفاء فما أحضر بين يديه يتيم إلا وترحّم على مخلفيه وجبر قلبه وأعطاه وجبر مصابه وإن كان له من أهله كبير يعتمد عليه سلمه إياه وإلا أبقى له من الخير ما يكف حاجته وسلمه إلى من يعتني بتربيته ويكفلها.
وكان لا يرى شيخاً إلا ويرق له ويعطيه ويحسن إليه ولم يزل على هذه الأخلاق إلى أن توفاه الله إلى مقر رحمته ومكان رضوانه.
فهذه نبذ من محاسن أخلاقه ومكارم شيمه اقتصرت عليها خوف الإطالة والسآمة وما سطرت إلا ما شاهدته أو أخبرني الثقة به وحققته وهذا بعض ما اطلعت عليه في زمان خدمتي له وهو يسير فيما اطلع عليه غيري ممن طالت صحبته وتقدمت خدمته ولكن هذا القدر يكفي الأديب في الاستدلال على طهارة تلك الأخلاق والخلال، وحيث نجز هذا القسم فنشرع الآن في القسم الثاني من الكتاب في بيان تقلبات أحواله ووقائعه وفتوحاته في تواريخها قدس الله روحه. ونور بنور رحمته ضريحه.
القسم الثاني
في بيات تقلبات أحواله وفتوحاته في تواريخها