ذكر قصد الإفرنج دمياط حرسها الله تعالى
ولما علم الإفرنج ما جرى من المسلمين وعساكرهم وما تم للسلطان من استقامة في الديار المصرية خافوا أن يملك بلادهم ويخرب ديارهم ويقلع آثارهم لما حدث له من القوة والملك فاجتمع الإفرنج والروم جميعاً وحدثوا أنفسهم بقصد الديار المصرية والاستيلاء عليها وملكها ورأوا قصد دمياط لتمكن القاصد لها من البر والبحر ولعلمهم أنها إن حصلت لهم حصل لهم مغرس قدم فاستصحبوا المنجنيقات والدبابات والجروخ وآلات الحصار وغير ذلك ولما سمع إفرنج الشام بذلك اشتد أمرهم فسرقوا حصن عكا من المسلمين وأسروا صاحبها وكان مملوكاً لنور الدين يسمى خلطخ العلم دار وذلك في ربيع الآخر منها، ولما رأى نور الدين ظهور أمر الإفرنج وبلغه نزولهم على دمياط قصد شغل قلوبهم فنزل على الكرك محاصراً لها في شعبان من هذه السنة فقصده إفرنج الساحل فرحل عنها وقصد لقاءهم فلم يقف لهم على أثر ثم بلغه وفاة مجد الدين بن الداية بحلب وكانت وفاته في شهر رمضان سنة خمس وستين فاشتغل قلبه لأنه كان صاحب أمره فعاد يطلب الشام فبلغه خبر الزلزلة بحلب التي أخربت كثيراً من البلاد المذكورة فسار يطلب حلب فبلغه موت قطب الدين أخيه بالموصل وكانت وفاته في الثاني والعشرين من ذي الحجة من السنة المذكورة وبلغه الخبر وهو بتل باشر فسار من ليلته طالباً بلاد الموصل ولما علم السلطان شدة قصد العدو دمياط أنفذ إلى البلد وأودعه من الرجال وأبطال الفرسان والميرة وآلات السلاح ما أمن معه عليه ووعد المقيمين فيه بإمدادهم بالعساكر والآلات وإبعاد العدو عنهم إن نزل عليهم ثم نزل الإفرنج في التاريخ المذكور واشتد زحفهم عليها وقتالهم وهو يشن الغارات عليهم من خارج والعساكر تقاتلهم من داخل ونصر الله المسلمين وأيدهم وحسن قصدهم في نصر دين الله وأسعدهم وأنجدهم حتى بان للإفرنج الخسران وظهر على الكفر الإيمان. ورأوا أنهم ينجون برؤوسهم ويسلمون بنفوسهم. فرحلوا خائبين خاسرين فحرقت مناجيقهم ونهبت وقتل منهم خلق كثير وسلم البلد بحمد الله ومنّه عن قصدهم وظهر بتوفيق الله فل حدهم، واستقرت قواعد السلطان.
ذكر طلبه والده
ثم أنفذ في طلب والده ليكمل السرور به ويتم الحبور وتجري القصة مشاكلة لما جرى للنبي يوسف صلاة إلى الله وصلاة عليه وعلى سائر الأنبياء أجمعين، فوصل والده نجم الدين إليه في أثناء جمادى الآخرى من سنة خمس وستين ويملك معه من الأدب ما كان عادته وألبسه الأمر كله فأبى أن يلبسه وقال يا ولدي ما اختارك الله لهذا الأمر إلا وأنت كفؤ له، ولا ينبغي أن يغير موقع السعادة فحكمه في الخزائن بأسرها ولم يزل السلطان وزيراً محكماً حتى مات العاضد أبو محمد عبد الله وبه ختم أمر المصريين.
وأما نور الدين فإنه أخذ الرقة في المحرم سنة ست وستين وسار منها إلى نصيبين فأخذها في بقية الشهر وأخذ سنجار في ربيع الآخر منها ثم قصد الموصل وقصد أن لا يقاتلها فعبر بعسكره من مخاضة بلد وسار حتى خيم قبالة الموصل على تل يقال له الحصن وراسل ابن أخيه عز الدين غازي صاحب الموصل وعرفه صحة قصده فصالحه ودخل الموصل في ثالث جمادى الأولى وقرر صاحبها فيها وزوجه ابنته وأعطى عماد الدين ابن أخيه سنجار وخرج من الموصل قاصداً نحو الشام فدخل حلب في شعبان من هذه السنة.
ذكر موت العاضد
وكان موته في يوم الاثنين العاشر من المحرم سنة سبع وستين واستقر الملك للسلطان وكان خطب لبني العباس في أواخر أمر العاضد وهو حي وكانت الخطبة ابتداؤها للمستضيء بأمر الله واستمرت القواعد على الاستقامة وهو كلما استولى على خزانة من المال وهبها وكلما فتح له خزائن ملك أنهبها ولا يبقي لنفسه شيئاً وشرع السلطان في التأهب للغزاة وقصد بلاد العدو وتعبية الأمر لذلك وتقرير قواعده، وأما نور الدين فإنه عزم على الغزاة واستدعى صاحب الموصل ابن أخيه فوصل بالعساكر إلى خدمته وكانت غزاته عرفاً وأخذها في المحرم سنة سبع وستين.
ذكر أول غزوة غزاها من الديار المصرية