ولمّا عاد إلى الشام بدأ بتل خالد، فنزل عليها وقاتلها، وأخذها في الثاني والعشرين من محرّم سنة تسع وسبعين، ثم سار طالباً حلب، فنزل عليها في السادس والعشرين. وكان أوّل نزوله بالميدان الأخضر، واستدعى العساكر من الجوانب واجتمع خلق عظيم، وقاتلها قتالاً شديداً، وتحقق عماد الدين أنه ليس له قبل، وكان قد ضرس من اقتراح الأمراء وجبههم، فأشار إلى حسام الدين طمان أن يسفر له مع السلطان في إعادة بلاده وتسلم حلب إليه، واستقرت القاعدة ولم يشعر أحد من الرعية ولا من العسكر حتى تمّ الأمر واستحكمت القاعدة واستفاض ذلك، واستعلم العسكر منه ذلك، فأعلمهم، وأذن في تدبير أنفسهم وأنفذوا عنهم وعن الرعية عز الدين جرديك النوري وزين الدين، فقعدوا عنده إلى الليل، واستحلفوه على العسكر وعلى أهل البلد وذلك في السابع عشر من صفر، وخرجت العساكر إلى خدمته إلى الميدان الأخضر ومقدمو حلب، وخلع عليهم وطيب قلوبهم، وأقام عماد الدين بالقلعة يقضي أشغاله وينقل أقمشته وخزائنه والسلطان مقيم بالميدان الأخضر إلى الثالث والعشرين من صفر، وفيه توفّي تاج الملوك أخوه من جرح كان أصابه، وشقّ عليه أمر موته، وجلس للعزاء، وفي ذلك اليوم نزل عماد الدين إلى خدمته وعزّاه، وتقرّرت بينهما قواعد، وأنزله السلطان في الخيمة وقدم له تقدمة سنية وخيلا جميلة وخلع على جماعة من أصحابه. وسار عماد الدين من يومه إلى قرار حصار سائراً إلى سنجاب وصعد السلطان قلعة حلب مسروراً منصورا. وعمل له حسام الدين طمان دعوة سنية، وكان قد تخلّف لأخذ ما تخلّف لعماد الدين من قماش وغيره، وكان قد أنفذ إلى حارم من يستلمها، ودافعهم الموالي، وانفذ الأجناد الذين بها يستحلفونه، فخلف لهم وسار من وقته إلى حارم فوصلها في التاسع والعشرين من صفر وتسلّمها وبات بها ليلتين، وقرّر قواعدها، وولّى فيها إبراهيم بن شرده، وعاد إلى حلب ودخلها في ثالث ربيع الأوّل، ثم أعطى العساكر دستوراً وسار كل منهم إلى بلاده، وأقام يقرّر قواعد حلب ويدبر أمورها.
ذكر غزات عين جالوت