ولما كان مستهل جمادى الأولى وصل رسول من قسطنطينية الكبرى والتقى بالاحترام والإكرام ومثل بالخدمة السلطانية في ثالث الشهر، وكانت رسالته تشتمل على مطالب، منها صليب الصلبوت، ومنها أن تكون القمامة بيد قسوس من جانبه وكذا سائر كنائس القدس، ومنها أن يكون الاتفاق معه على أن يكون عدوّ من عاداه وصديق من صادقه، وأن يوافق على قصد جزيرة قبرص، فأقام عنده يومين، ثم سيّر معه رسولً يقال له ابن البزاز من الديار المصرية، وأجيب بالمنع عن جميع مقترحاته، وقيل إن الصليب قد بذل فيه ملك الكرج مائتي ألف دينار فلم يجب إلى ذلك.
ذكر ما جرى للملك العادل
في البلاد التي هي قاطع الفرات
وذلك أنه لما سار الملك الأفضل رقق الملك العادل قلب السلطان على ابن تقي الدين، وقد كثر الحديث في معناه، وأنفذني السلطان لمشاورة الأمراء في خدمة الملك العادل في أمره، فجمعهم في خدمته، فذكرت لهم ما راسلني فيه إليهم، فانتدب الأمير حسام الدين أبو الهيجاء للجواب، وقال نحن عبيده ومماليكه وذلك صبي وربما حمله خوفه أن انضاف إلى جانب آخر ونحن لا نقدر على الجمع بين قتال المسلمين والكفار، فإن أراد أننا نقاتل المسلمين صالحنا الكفار وسرنا إلى ذلك الجانب وقاتلنا بين يديه، وإن أراد منا ملازمة الغزاة صالح المسلمين وسامحهم. وهذا كان جواب الجميع، فرق السلطان وجدد نسخة يمين لابن تقي الدين وحلف له بها وأعطاه خطه بما استقر من القاعدة. ثم إن الملك العادل التمس من السلطان البلاد التي كانت بيد ابن تقي الدين بعد استقلاله، وجرت مراجعات كثيرة في العوض عنها، وكنت الرسول بينهما، وكان آخر ما استقر أنه يسلم تلك البلاد وينزل عن كل ما هو شامي الفرات ما عدا الكرك والشوبك والصلت والبلقاء، وحاصه بمصر بعد النزول عن الجيزة وعليه في كل سنة ستة آلاف غرارة غلة تحمل للسلطان من الصلت والبلقاء إلى المقدس والمغل في السنة المذكورة في مواضعه له ومغل قاطع الفرات في هذه السنة للسلطان أيضاً، وأخذ خط السلطان بذلك، وسار بنفسه يصلح أمر ابن تقي الدين ويطيب قلبه، وكان مسيره في ثامن جمادى الأولى.
ذكر استيلاء الفرنج على الدارون
وكان الإفرنج خذلهم الله تعالى لما رأوا أن السلطان قد أعطى العساكر دستوراً وتفرقت العساكر عنه نزلوا على الدارون طمعاً فيه وكان بيد علم الدين قيصر وفيه نوابه. ولما كان يوم تاسع جمادى الأولى اشتد زحف العدو على المكان راجلاً وفارساً، وكان الأنكتار قد استنفذ من نوبة عكا نقابين جبليين فتمكنوا من نقب المكان وأحرقوا النقب وطلب أهل الحصن مهلة بحيث يشاورون السلطان فلم يمهلوهم، واشتدوا في القتال عليه فأخذوه عنوة، واستشهد فيه من قدر الله له ذلك، وأسر من قدر له ذلك، وكان ذلك قدراً مقدّراً.
ذكر قصدهم لمجدل يابا
ولما استولى الإفرنج على الدارون ساروا بعد أن قرروا أمره ووضعوا فيه من اختاروا حتى نزلوا على منزلة يقال لها الحسي، وهي قريب من جبل الخليل عليه السلام، وذلك رابع عشر جمادى الأولى، فأقاموا عليه ثم تأهبوا بقصد حصن يقال له مجدل يابا، فأتوه جريدة وخلفوا خيامهم في منزلتهم، وكان بها عسكر إسلامي فلقيهم وجرى بينهم قتال عظيم، وقتل من العدو كند مذكور واستشهد من المسلمين فارس واحد كان سبب قتله أنه وقع رمحه فنزل ليأخذه فمنعه فرسه الركوب فبادروه وقتلوه وعادوا إلى خيامهم بقية اليوم خائبين ولله الحمد.
ذكر وقعة جرت في صور
ولما كان سادس عشر جمادى وصل كتاب من حسام الدين بشارة يذكر أنه تخلف في صور مائة راكب وانضم إليهم من عكا خمسون وطمعوا فخرجوا لشن الغارات على البلاد الإسلامية، فوقع عليهم العسكر المرصد لحفظ البلاد من ذلك الطرف، وجرى بينهم قتال شديد، وقتل من العدو خمسة عشر نفراً ولم يقتل من المسلمين أحد، وعادوا خائبين ولله الحمد.
ذكر قدوم العساكر الإسلامية للجهاد
ولما رأى السلطان ما جرى من العدو من التنبط سير إلى العساكر من سائر الأطراف أن يسابقوا إلى الحضور، وكان أول قادم بدر الدين دلدرم مع خلق كثير من التركمان، فلقيه السلطان واحترمه، ووصل بعده عز الدين بن المقدم في سابع عشر جمادى الأولى بعسكر حسن وآلات جميلة ففرح بها السلطان.