Kalila wa Dimna

باب الفحص عن أمر دمنة
Read with the dictionary

فقال بعض الجند: لم ينطق بهذا لحبه بالملك، ولكن لخلاص نفسه، والتماس العذر لها. فقال لها دمنة: ويلك! وهل علي في التماس العذر لنفسي عيبٌ؟ وهل أحدٌ أقرب إلى الإنسان من نفسه؟ وإذا لم يلتمس لها العذر، فمن يلتمسه؟ لقد ظهر منك ما لم تكن تملك كتمانه من الحسد والبغضاء؛ ولقد عرف من سمع منك ذلك أنك لا تحب لأحدٍ خيراً؛ وأنك عدو نفسك، فمن سواهاً بالأولى. فمثلك لا يصلح أن يكون مع البهائم، فضلاً عن أن يكون مع الملك، وأن يكون ببابه. فلما أجابه دمنة بذلك، خرج مكتئباً حزيناً مستحياً. فقالت أم الأسد لدمنة: لقد عجبن منك، أيها المحتال، في قلة حيائك، وكثرة وقاحتك، وسرعة جوابك لمن كلمك. قال دمنة: لأنك تنظرين إلى بعينٍ واحدةٍ، وتسمعين مني بأذنٍ واحدةٍ، مع أن شقاوة جدي قد زوت عني كل شيء، حتى لقد سعوا إلى الملك بالنميمة علي، ولقد صار من بباب الملك لاستخفافهم به، وطول كرامته إياهم، وما هم فيه من العيش والنعمة، لا يدرون في أي وقت ينبغي لهم الكلام، ولا متى يجب عليهم السكوت. قالت: ألا تنظرون إلى هذا الشقي، مع عظم ذنبه، كيف يجعل نفسه بريئاً كمن لا ذنب له؟ قال دمنة: إن الذين يعملون غير أعمالهم ليسوا على شيء؛ كالذي يضع الرماد موضعاً ينبغي أن يضع فيه الرمل؛ ويستعمل فيه السرجين ، والرجل الذي يلبس لباس المرأة، والمرأة التي تلبس لباس الرجل، والضيف الذي يقول: أنا رب البيت، والذي ينطق بين الجماعة بما لا يسأل عنه. وإنما الشقي من لا يعرف الأمور ولا أحوال الناس لا يقدر على دفع الشر عن نفسه، ولا يستطيع ذلك. قالت أم الأسد: أتظن أيها الغادر المحتال بقولك هذا أنك تخدع الملك، ولا يسجنك؟ قال دمنة: الغادر الذي لا يأمن عدوه مكره، وإذا استمكن من عدوه قتله على غير ذنب. قالت أم الأسد: أيها الغادر الكذوب، أتظن أنك ناجٍ من عاقبة كذبك؟ وأن محالك هذا ينفعك مع عظم جرمك؟ قال دمنة: الكذوب إلي يقول ما لم يكن، ويأتي بما لم يقل ولم يفعل، وكلامي واضحٌ مبينٌ. قالت أم الأسد: العلماء منكم هم الذين يوضحون أمره بفضل الخطاب. ثم نهضت فخرجت. فدفع الأسد دمنة إلى القاضي، فأمر بحبسه، فألقي في عنقه حبلٌ، وانطلق به إلى السجن. فلما انتصف الليل أخبر كليلة أن دمنة في الحبس. فأتاه مستخفياً؛ فلما رآه وما هو عليه من ضيق القيود، وخرج المكان، بكى، وقال له: ما وصلت إلى ما وصلت إليه إلا لاستعمالك الخديعة والمكر، وإضرابك عن العظة؛ ولكن لم يكن لدي بدٌ فيما مضى من إنذارك والنصيحة لك والمسارعة إليك في خلوص الرغبة فيك: فإنه لكل مقامٍ مقالٌ؛ ولكل موضعٍ مجالٌ.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account