Kalila wa Dimna

باب الفحص عن أمر دمنة
Read with the dictionary

ولو كنت قصرت في عظتك حين كنت في عافيةٍ، لكنت اليوم شريكك في ذنبك؛ غير أن العجب دخل منك مدخلاً قهر رأيك، وغلب على عقلك؛ وكنت أضرب لك الأمثال كثيراً، وأذكرك قول العلماء. وقد قالت العلماء: إن المحتال يموت قبل أجله. قال دمنة: قد عرفت صدق مقالتك. وقد قالت العلماء: لا تجزع من العذاب إذا وقفت منك على خطيئة؛ ولأن تعذب في الدنيا بجرمك، خيرٌ من أن تعذب في الآخرة بجهنم مع الإثم. قال كليلة: قد فهمت كلامك؛ ولكن ذنبك عظيمٌ، وعقاب الأسد شديدٌ أليمٌ. وكان بقربهما في السجن فهدٌ معتقلٌ يسمع كلامهما، ولا يريانه؛ فعرف معاتبة كليلة لدمنة على سوء فعله، وما كان منه؛ وأن دمنة مقرٌ بسوء عمله، وعظيم ذنبه؛ فحفظ المحاورة بينهما، وكتمها ليشهد بها إن سئل عنها. ثم إن كليلة انصرف إلى منزله، ودخلت أم الأسد حين أصبحت على الأسد؛ وقالت له: يا سيد الوحوش، حوشيت أن تنسى ما قلت بالأمس؛ وأنك أمرت به لوقته؛ وأرضيت به رب العباد. وقد قالت العلماء: لا ينبغي للإنسان أن يتوانى في الجد للتقوى؛ بل لا ينبغي أن يدافع عن ذنب الأثيم. فلما سمع الأسد كلام أمه، أمر أن يحضر النمر، وهو صاحب القضاء. فلما حضر قال له وللجوّاس العادل: اجلسا في موضع الحكم، وناديا في الجند صغيرهم وكبيرهم أن يحضروا وينظروا في حال دمنة، ويبحثوا في شأنه، ويفحصوا عن ذنبه، ويثبتوا قوله وعذره في كتب القضاء؛ وارفعا إلى ذلك يوماً فيوماً. فلما سمع ذلك النمر والجواس العادل وكان هذا الجواس عم الأسد، قالا: سمعاً وطاعةً لما أمر الملك. وخرجا من عنده؛ فعملا بمقتضى ما أمرهما به؛ حتى إذا مضى من اليوم الذي جلسوا فيه ثلاث ساعات، أمر القاضي أن يؤتى بدمنة؛ فأتي به، فأوقف بين يديه، والجماعة حضور. فلما استقربه المكان نادى سيد الجمع بأعلى صوته: أيها الجمع. إنكم قد علمتم أن سيد السباع لم يزل منذ قتل شتربة خائر النفس، كثير الهم والحزن، يرى أنه قد قتل شتربة بغير ذنب؛ وأنه أخذه بكذب دمنة ونميمته. وهذا القاضي قد أمر أن يجلس مجلس القضاء، ويبحث عن شأن دمنة. فمن علم منكم شيئاً في أمر دمنة من خيرٍ أو شرٍ، فليقل ذلك، وليتكلم به على رءوس الجمع والأشهاد، ليكون القضاء في أمره أولى، والعجلة من الهوى، ومتابعة الأصحاب على الباطل ذل. فعندها قال القاضي: أيها الجمع اسمعوا قول سيدكم، ولا تكتموا ما عرفتم من أمره؛ واحذروا في الستر عليه ثلاث خصالٍ: إحداهن، وهي أفضلهن، ألا تزدروا فعله، ولا تعدوه يسيراً: فمن أعظم الخطايا قتل البريء الذي لا ذنب له بالكذب والنميمة؛ ومن علم من أمر هذا الكتاب الذي اتهم البريء بكذبه ونميمته شيئاً، فستر عليه فهو شريكه في الإثم والعقوبة. والثانية إذا اعترف المذنب بذنبه، كان أسلم له، وأحرى بالملك وجنده أن يعفوا عنه ويصفحوا. والثالثة ترك مراعاة أهل الذم والفجور، وقطع أسباب مواصلاتهم ومودتهم عن الخاصة والعامة؛ فمن علم من أمر هذا المحتال شيئاً، فليتكلم به على رءوس الأشهاد ممن حضر، ليكون ذلك حجةً عليه؛ وقد قيل: إنه من كتم شهادة ميتٍ، ألجم بلجامٍ من نارٍ يوم القيامة؛ فليقل كل واحد منكم ما علم. فلما سمع ذلك الجمع كلامه، أمسكوا عن القول. فقال دمنة: ما يسكتكم؟ تكلموا بما علمتم؛ واعلموا أن لكل كلمة جواباً. وقد قالت العلماء: من يشهد بما لا ي، ويقول ما لا يعلم، أصابه ما أصاب الطبيب الذي قال لما لا يعلمه: إني أعلمه. قالت الجماعة: وكيف كان ذلك؟

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account