ثم إن الجرذ خرج بعد ذلك، وكره أن يدنو من السنّور، فناداه السنّور: أيها الصديق الناصح، ذو البلاء الحسن عندي، ما منعك من الدنوِّ إليّ، لأجازيك بأحسن ما أسديت إليّ، هلمَّ، إليَّ ولا تقطع إخائي: فإنه من اتخذ صديقاً، وقطع إخاءه، وأضاع صداقته، حُرِمَ ثمرة إخائه، وأيس من نفعه الإخوان والأصدقاء. وإن يدك عندي لا تنسى، وأنت حقيقٌ أن تلتمس مكافأة ذلك مني ومن إخواني وأصدقائي. ولا تخافنّ مني شيئاً. واعلم أن ما قِبلي لك مبذولٌ. ثم حلف واجتهد على صدقه فيما قال. فناداه الجرذ: ربَّ صداقة ظاهرة باطنها عداوة كامنة. وهي أشد من العداوة الظاهرة. ومن لم يحترس منها، وقع موقع الرجل الذي يركب ناب الفيل المغتلم ثم يغلبه النعاس فيستيقظ تحت فراسن الفيل، فيدوسه ويقتله. وإنما سمي الصديق صديقاً: لما يرجى من نفعه، وسمي العدو عدواً: لما يخاف من ضرره. والعاقل إذا رجا نفع العدو أظهر له الصداقة، وإذا خاف ضرّ الصديق أظهر له العداوة. ألا ترى؟ تتّبع البهائم أمهاتها رجاء ألبانها، فإذا انقطع ذلك انصرفت عنها. وربما قطع الصديق عن صديقه بعض ما كان يصله، فلم يخف شرّه: لأن أصل أمره لم يكن عداوة. فأما من كان أصل أمره عداوة جوهرية، ثم أحدث صداقة لحاجة حملته على ذلك، فإنه إذا زالت الحاجة التي حملته على ذلك، زالت صداقته، فتحولت عداوة وصار إلى أصل أمره: كالماء الذي يسخن بالنار، فإذا رفع عنها عاد بارداً. وليس من أعدائي عدوٌّ أضر لي منك. وقد اضطرني وإياك وإلى ما أحدثنا من المصالحة. وقد ذهب الأمر الذي احتجت إليّ واحتجت إليك فيه، وأخاف أن يكون مع ذهابه عود العداوة. ولا خير للضعيف في قرب العدو القوي، ولا للذليل في قرب العدو العزيز. ولا أعلم لك قبلي حاجة، وليس عندي بك ثقة: فإني قد علمت أن الضعيف المحترس من العدو القوي أقرب إلى السلامة من القوي إذا اغتر بالضعيف واسترسل إليه. والعاقل يصالح عدوه إذا اضطر إليه، ويصانعه، ويظهر له ودّه، ويريه من نفسه الاسترسال إليه إذا لم يجد من ذلك بدّا، ثم يعجّل الانصراف عنه، حين يجد إلى ذلك سبيلا. واعلم أن سريع الاسترسال لا تقال عثرته. والعاقل يفي لمن صالحه من أعدائه بما جعل له من نفسه، ولا يثق به كل الثقة، ولا يأمنه على نفسه مع القرب منه. وينبغي أن يبعد عنه ما استطاع. وأنا أودك من بعيد، وأحب لك من البقاء والسلامة، ما لم أكن أحبه لك من قبل. ولا عليك أن تجازيني على صنيعي إلا بمثل ذلك: إذ لا سبيل إلى اجتماعنا والسلام.
باب ابن الملك والطائر فنزة