Kalila wa Dimna

باب ابن الملك والطائر فنزة
Read with the dictionary

قال الملك: إنك لو لم تكن اجتزيت منا فيما صنعناه بك، بل كان صنيعك بنا من غير ابتداء منا بالغدر كان الأمر كما ذكرت. وأما إذا كنا نحن بدأناك، فما ذنبك؟ وما الذي يمنعك من الثقة بنا؟ هلم فارجع: فإنك آمن. قال فنزة: اعلم أن الأحقاد لها في القلوب مواقع ممكنة موجعة. فالألسن لا تصدق في خبرها عن القلوب، والقلب أعدل شهادة من اللسان على القلب. وقد علمت أن قلبي لا يشهد للسانك، ولا قلبك للساني. قال الملك: ألم تعلم أن الضغائن ولأحقاد تكون بين كثير من الناس: فمن كان ذا عقل كان على إماتة الحقد أحرص منه على تربيته. قال فنزة: إن ذلك لكما ذكرت، ولكن ليس ينبغي لذي الرأي مع ذلك أن يظن أن الموتور الحقود ناس ما وتر به، مصروف عنه فكره فيه. وذو الرأي يتخوف المكر والخديعة والحيل ويعلم أن كثيراً من العدو لا يستطاع بالشدة والمكابرة، حتى يصاد بالرفق والملاينة، كما يصاد الفيل الوحشي بالفيل الداجن. قال الملك: إن العاقل الكريم لا يترك إلفه، ولا يقطع إخوانه ولا يضيع الحفاظ، وإن هو خاف على نفسه، حتى إن هذا الخلق يكون قي أوضع الدواب منزلة: فقد علمت أن اللعابين يلعبون بالكلاب، ثم يذبحونها ويأكلونها. ويرى الكلب الذي قد ألفهم ذلك، فلا يدعوه إلى مفارقتهم، ولا يمنعه من إلفته إياهم. قال فنزة: إن الأحقاد مخوفة حيثما كانت. فأخوفها وأشدها ما كان في أنفس الملوك: فإن الملوك يدينون بالانتقام، ويرون الدرك والطلب بالوتر مكرمة وفخراً. وإن العاقل لا يغتر بسكون الحقد إذا سكن فإنما مثل الحقد في القلب، إذا لم يجد محركاً، مثل الجمر المكنون، ما لم سجد حطباً، فليس ينفك القد متطلعاً إلى العلل، كما تبتغي النار الحطب فإذا وج علة استعر استعار النار، فلا يطفئه حسن كلام، ولا لين ولا رفق ولا خضوع ولا تضرع ولا مصانعة، ولا شيء دون تلف الأنفس. مع أنه رب واتر يطمع في مراجعة الموتور بما يرجو أن يقدر عليه من النفع له، والدفع عنه. ولكني أنا أضعف عن أن أقدر على شيء يذهب به ما في نفسك. ولو كانت نفسك منطوية لي على ما تقول ما كان ذلك عني مغنياً ولا أزل في خوف ووحشة وسوء ظن، ما اصطحبنا. فليس الرأي بيني وبينك إلا الفراق. وأنا أقرأ عليك السلام.

قال الملك: لقد علمت أنه لا يستطيع أحد لأحد ضراً ولا نفعاً، وأنه لا شيء من الأشياء صغيراً ولا كبيراً يصيب أحد ألا بقضاء وقدر معلوم. وكما أن خلق ما يخلق، وولادة ما يولد، وبقاء ما يبقى ليس إلى الخلائق منه شئ، كذلك فناء ما يفنى وهلاك ما يهلك. وليس لك في الذي صنعت بابني ذنب، ولا لا بني فيما صنع بابنك ذنب.

إنما كان ذلك كله قدراً مقدوراً، وكلانا له علة: فلا نوأخذ بما به القدر. قال فنزة: إن القدر لكما ذكرت، لكن لا يمنع ذلك الحازم من توقى المخاوف، والاحتراس من المكاره. ولمنه يجمع تصديقاً بالقدر وأخذاً بالحزم والقوة. وأنا أعلم أنك تكلمني بغير ما في نفسك. والأمر بيني وبينك غير صغير: لأن ابنك قتل ابني، وأنا فقأت عين ابنك، وأنت تريد أن تشتفي بقتلي، وتخلني عن نفسي، والنفس تأبى الموت. وقد كان يقال: الفاقة بلاء والحزن بلاء وقرب العدو بلاء وفراق الأحبة بلاء والسقم بلاء والهرم بلاء، ورأس البلايا كلها الموت. وليس أحد بأعلم بما في نفس الموجع الحزين ممن ذاق مثل ما به. فأنا بما في نفسي عالم بما نفسك: للمثل الذي عندي من ذلك. ولا خير لي في صحبتك: فإنك لن تتذكر صنيعي بابنك، ولن أتذكر صنيع ابنك بابني، إلا أحدث ذلك لقلوبنا تغييراً.

قال الملك: لا خير فيمن لا يستطيع الإعراض عما في نفسه، وينساه ويهمله، حتى لا بذكر منه شيئاً، ولا يكون له في نفسه موقع. قال فنزة: إن الرجل الذي في باطن قدمه قرحة، إن هو حرص على المشي فلا بد أنه لا يزال يشتكي قرحته، والرجل الأرمد العين إذا استقبل بها الريح، تعرض لأن تزداد رمداً. وكذلك الواتر إذا دنا من الموتور، فقد عرض نقسه للهلاك. ولا ينبغي لصاحب الدنيا إلا توقي المهالك والمتالف، وتقدير الأمور وقلة الاتكال على الحول والقوة، وقلة الاغترار بمن لا يأمن: فإنه من اتكل على قوته، فحمله ذلك على أن يسك الطريق المخوف، فقد سعى في حتف نفسه. ومن لا يقدر لطاقته طعامه وشرابه

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account