وحمل نفسه ما لا تطيق ولا تحمل فقد قتل نفسه. ومن لا يقدر لقمته، وعظمها فوق ما يسع فوه، فربما غص بها فمات. ومن اغتر بكلام عدوه، وانخدع له وضيع الحزم، فهو أعدى الحزم لنفسه من عدوه. وليس لأحد النظر في القدر الذي لا يدري ما يأتيه منه ولا ما يصرف عنه، ولكن عليه العمل بالحزم والأخذ بالقوة ومحاسبة نفسه في ذلك. والعاقل لا يثق بأحد ما استطاع، ولا يقيم على خوف وهو يجد عنه مذهباً. وأنا كثير المذاهب وأرجو ألا أذهب وجهاً ألا أصبت فيه مت يغنيني: فإن خلالاً خمساً من تزودهن كفينه في كل وجه، وآنسنه في غربة، وقربن له البعيد، وأكسبنه المعاش الإخوان: أولهن كف الأذى والثانية حسن الأدب، والثالثة مجانبة الريب والرابعة كرم الخلق، والخامسة النبل في العمل. وإذا خاف الإنسان على نفسه شيئاً طابت نفسه عن المال والأهل والولد والوطن: فإنه يرجو الخلف من ذلك كله ولا يرجو عن النفس خلفاً. وشر المال ما لا إنفاق منه وشر الأزواج التي لا تواتي بعلها، وشر الولد العاصي العاق لوالديه وشر الإخوان الخاذل لأخيه عند النكبات والشدائد، وشر الملوك الذي يخافه البريء، ولا يواظب على حفظ أهل مملكته، وشر البلاد بلاد بلا خصب فيها ولا أمن، وإنه لا أمن لي عندك أيها الملك ولا طمأنينة لي في جوارك. وثم ودع الملك وطار. فهذا مثل ذوي الأوتار الذين لا ينبغي لبعضهم أن يثق ببعض.
؟؟؟؟؟؟؟؟باب الأسد والشغبر الناسك وهو ابن آوى
قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل فاضرب لي مثل الملك الذي يراجع من أصابته منه عقوبة من غير جرم أو جفوة من غير ذنب. قال الفيلسوف: إن الملك لو لم يراجع من أصابته منه جفوة عن ذنب أو عن غير ذنب، ظلم أولم يظلم لأضر ذلك ويخبر ما عنده من المنافع فإن كان ممن يوثق به في رأيه وأمانته، فإن الملك حقيق بالحرص على مراجعته: فإن الملك لا يستطاع ضبطه إلا مع ذوي الرأي وهم الوزراء والأعوان إلا بالمودة والنصيحة، ولا مودة ولا نصيحة إلا لذوي الرأي والعفاف. وأعمال السلطان كثيرة، والذين يحتاج إليهم من العمال والأعوان كثيرون. ومن يجمع منهم ما ذكرت من النصيحة والعفاف قليل. والمثل في ذلك مثل الأسد وابن آوى. قال الملك: وكيف كان ذلك؟