Kalila wa Dimna

باب إيلاذ وبلاذ وايراخت
Read with the dictionary

فلما كان بعد سبعة أيام جاءت البشائر بقدوم الرسل فخرج الملك فجلس على التخت، وأذن للأشراف، وجاءته الهدايا كما اخبره كباريون الحكيم. فلما رأى الملك ذلك اشتد عجبه وفرحه من علم كباريون. وقال: ما وفقت حين قصصت رؤياي على البراهمة فأمروني بما أمروني به. ولولا أن الله تعالى تداركني برحمته لكنت قد هلكت وأهلكت؛ وكذلك لا ينبغي لكل أحد أن يسمع إلا من الأخلاء ذوي العقول. وإن إيراخت أشارت بالخير فقلبته. ورأيت به النجاح. فضعوا الهدية بين يديها لتأخذ منها ما اختارت. ثم قال لإيلاذ: خذ الإكليل واحملها واتبعني بها إلى مجلس النساء. ثم إن الملك دعا إيراخت وحورقناه أكرم نسائه بين يديه. فقال لإيلاذ: ضع الكسوة والإكليل بين يدي إيراخت لتأخذ أيها شاءت. فوضعت الهدايا بين يدي إيراخت. فأخذت منها الإكليل، وأخذت حورقناه كسوة من أفخر الثياب وأحسنها. وكان من عادة الملك أن يكون ليلة عند إيراخت وليلة عند حورقناه. وكان من سنة الملك أن تهيء له المرأة التي يكون عندها في ليلتها أرزاً بحلاوة فتطعمه إياه. فأتى الملك إيراخت في نوبتها. وقد صنعت له أرزاً. فدخلت عليه بالصّحفة والإكليل على رأسها. فعلمت حورقناه بذلك فغارت من إيراخت. فلبست تلك الكسوة. ومرت بين يدي الملك وتلك الثياب تضيء عليها مع نور وجهها كما تضيء الشمس. فلما رآها الملك أعجبته. ثم التفت إلى إيراخت فقال: إنك جاهلة حين أخذت الإكليل وتركت الكسوة إلي ليس في خزائننا مثلها. فلما سمعت إيراخت مدح الملك لحورقناه وثناءه عليها وتجهيلها هي وذمّ رأيها أخذها من ذلك الغيرة والغيظ. فضربت بالصحفة رأس الملك. فسال الأرز على وجهه. فقام الملك من مكانه ودعا بإيلاذ. فقال له: ألا ترى، وأنا ملك العالم، كيف حقرتني هذه الجاهلة، وفعلت بي ما ترى؟ فانطلق بها فاقتلها ولا ترحمها. فخرج إيلاذ من عند الملك وقال: لا أقتاها حتى يسكن عنه الغضب. فالمرأة عاقلة سديدة الرأي من الملكات إلي ليس لها عديل في النساء. وليس الملك بصابر عنها. وقد خلصته من الموت، وعملت أعمالاً صالحة. ورجاؤنا فيها عظيم. ولست آمنة أن يقول: لمَ لمْ تؤخر قتلها حتى تراجعني؟ فلست قاتلها حتى أنظر رأي الملك فيها ثانية: فإن رأيته نادماً حزيناً على ما صنع جئت بها حية. وكنت قد عملت عملاً عظيماً. وأنجيت إيراخت من القتل. وحفظت قلب الملك. واتخذت عند عامة الناس بذلك يداً. وإن رأيته فرحاً مستريحاً مصوّباً رأيه في الذي فعله وأمر به فقتلها لا يفوت. ثم انطلق بها إلى منزله، ووكل بها خادماً من أمنائه، وأمره بخدمتها وحراستها، حتى ينظر ما يكون من أمرها وأمر الملك. ثم خضب سيفه بالدم ودخل على الملك كالكئيب الحزين. فقال أيها الملك: إني قد أمضيت أمرك في إيراخت. فلم يلبث الملك أن سكن عنه الغضب، وذكر جمال إيراخت وحسنها. واشتد أسفه عليها. وجعل يعزي نفسه عنها. ويتجلد وهو مع ذلك يستحي أن يسأل إيلاذ: أحقاً أمضى أمره فيها أم لا؟ ورجا لما عرف من عقل إيلاذ ألا يكون قد فعل ذلك. ونظر إليه إيلاذ بفضل عقله فعلم الذي به، فقال له: لا تهتم ولا تحزن أيها الملك: فإنه ليس في الهم والحزن منفعة. ولكنهما ينحلان الجسم ويفسدانه. فاصبر أيها الملك على ما لست بقادر عليه أبداً. وإن أحب الملك حدثته بحديث يسليه. قال: حدثني.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account