Kalila wa Dimna

باب إيلاذ وبلاذ وايراخت
Read with the dictionary

قال إيلاذ: زعموا أن حمامتين ذكراً وأنثى ملا عشهما من الحنطة والشعير. فقال الذكر للأنثى: إنا إذا وجدنا في الصحارى ما نعيش به فلسنا نأكل مما هاهنا شيئاً. فإذا جاء الشتاء ولم يكن في الصحارى شيء رجعنا إلى ما في عشنا فأكلناه. فرضيت الأنثى بذلك. وقالت له: نعم ما رأيت. وكان ذلك الحب ندياً حين وضعاه في عشهما. فانطلق الذكر فغاب. فلما جاء الصيف يبس الحب وانضمر. فلما رجع الذكر رأى الحب ناقصاً. فقال لها: أليس كنا أجمعنا رأينا على ألا نأكل منه شيئاً؟ فلم أكلته؟ فجعلت تحلف أنها ما أكلت منه شيئاً. وجعلت تعتذر إليه. فلم يصدقها. وجعل ينقرها حتى ماتت. فلما جاءت الأمطار ودخل الشتاء تندى الحب وامتلأ العش كما كان. فلما رأى الذكر ذلك ندم. ثم اضطجع إلى جانب حمامته وقال: ما ينفعني الحب والعيش بعدك إذا طلبتك فلم أجدك، ولم أقدر عليك، وإذا فكرت في أمرك وعلمت أني قد ظلمتك، ولا أقدر على تدارك ما فات. ثم استمر على حزنه فلم يطعم طعاماً ولا شراباً حتى مات إلى جانبها. والعاقل لا يعجل في العذاب والعقوبة، ولا سيما من يخاف الندامة، كما ندم الحمام الذكر. وقد سمعت أيضاً أن رجلاً دخل الجبل وعلى رأسه كارة من العدس فوضع الكارة عن ظهره ليستريح. فنزل قرد من شجرة فأخذ ملء كفه من العدس وصعد إلى الشجرة. فسقطت من يده حبة فنزل في طلبها فلم يجدها. وانتثر ما كان في يده من العدس أجمع. وأنت أيضاً أيها الملك عندك ستة عشر ألف امرأة تدع أن تلهو بهن وتطلب التي لا تجد؟؟! فلما سمع الملك ذلك خشي أن تكون إيراخت قد هلكت. فقال لإيلاذ: لم لا تأنيت وتثبت؟ بل أسرعت عند سماع كلمة واحدة فتعلقت بها، وفعلت ما أمرتك به من ساعتك؟ قال إيلاذ: إن الذي قوله واحد لا يختلف هو الله الذي لا تبديل لكلماته ولا اختلاف لقوله. قال الملك: لقد أفسدت أمري وشددت حزني بقتل إيراخت. قال إيلاذ: إثنان ينبغي لهما أن يحزنا: الذي يعمل الإثم في كل يوم، والذي لم يعمل خيراً قط: لأن فرحهما في الدنيا ونعيمهما قليل. وندامتهما إذ يعاينان الجزاء طويلة لا يستطاع إحصاؤها. قال الملك: لئن رأيت إيراخت حيةً لا أحزن على شيءٍ أبداً. قال إيلاذ: اثنان لا ينبغي لهما أن يحزنا: المجتهد في البر كل يوم، والذي لم يأثم قط. قال الملك: ما أنا بناظرٍ إلى إيراخت أكثر مما نظرت قال إيلاذ: اثنان لا ينظران: الأعمى والذي لا عقل له. وكما أن العمى لا ينظر السماء ونجومها وأرضها ولا ينظر القرب والبعد، كذلك الذي لا عقل له لا يعرف الحسن من القبيح ولا المحسن من المسيء. قال الملك: لو رأيت إيراخت لاشتد فرحي. قال إيلاذ: اثنان هما الفرحان: البصير والعالم. فكما أن البصير يبصر أمور العالم وما فيه من زيادة ونقصان والقريب والبعيد، فكذلك العالم يبصر البر والإثم، ويعرف عمل الآخرة، ويتبين له نجاته، ويهتدي إلى صراط المستقيم. قال الملك: ينبغي لنا أن نتباعد منك يإيلاذ ونأخذ الحذر ونلزم الاتقاء. قال إيلاذ: اثنان يجب أن نتباعد منهما: الذي يقول لا بر ولا إثم ولا عقاب ولا ثواب ولا شيء على مما أنا فيه، والذي لا يكاد فيه يصرف بصره عما ليس له بمحرم ولا أذنه عن استماع السوء، ولا قلبه عما تهم به نفسه من الإثم والحرص. قال الملك: صارت يدي من إيراخت صفراً. قال إيلاذ: ثلاثة أشياء أصفار: النهر الذي ليس فيه ماء، والأرض التي ليس فيها ملك، والمرأة التي ليس لها بعل، قال الملك: إنك يا إيلاذ لتلقي الجواب. قال إيلاذ: ثلاثة يلقون بالجواب: الملك الذي يعطي ويقسم من خزائنه، والمرأة المهداة التي تهوى من ذوي الحسب، والرجل العالم الموفق للخير.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account