لَكَ رَغْبَةٌ في الحِجَامَةِ؟ فَقالَ: قَبَّحَكَ اللهُ ! أَنْتَ حَجَّامٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَعَمَدَ لأَعْرَاضِهِ يَسُبَّهَا، وإِلَى الآنِيَةِ يَصُبُّهَا، فَقَالَ الإِسْكَنْدَرِيُّ: آثِرْنِي عَلَى الشَّيْطانِ، فَقالَ: خُذْهَا لاَ بُورِكَ لَكَ فِيها، فَأَخَذَهَا وَأَوَيْنَا إِلى خَلْوَةٍ، وَأَكَلْنَاهَا بِدَفْعَةٍ، وَسِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قَرْيَةً اسْتَطَعَمْنا أَهْلَهَا، فَبَادَرَ مِنْ بَيْنِ الجَمَاعَةِ فَتىً إِلَى مَنْزِلِهِ، فَجاءَنَا بِصَفْحَةٍ قَدْ سَدَّ اللَّبَنُ أَنْفاسَها، حَتَّى بَلَغَ رَأْسَهَا، فَجَعَلْنا نَتَحَسَّاها، حَتَّى اسْتَوفَيْناها، وسَأَلْناهُمُ الخُبْزَ، فَأَبَوا إِلاَ بِالثَّمَنِ، فَقَالَ الإِسْكَنْدَرِيُّ: مَا لَكُمْ تَجُودُونَ بِاللَّبَنِ، وَتَمْنَعُونَ الخُبْزَ إِلاَّ بِالثَمَنِ؟ فَقَالَ الغُلاَمُ: كَانَ هَذَا اللَّبَنُ فِي غَضَارةٍ، قَدْ وَقَعَتْ فَيهَ فَارَةٌ، فَنَحْنُ نَتَصَدَّقُ بِهِ على السَّيَّارَةِ، فَقالَ الإِسْكَنْدَرِيُّ: إِنَّا للهِ! وَأَخَذَ الصَّحْفَةَ فَكَسَرَهَا، فَصَاحَ الغُلاَمُ: وَاحَرَبَاهُ، وَامَحْرُوبَاهُ، فَاقْشَعَرَّتْ مِنَّا الجِلْدَةُ، وَانْقَلَبَتْ عَلَيْنَا المَعِدَةُ، وَنَفَضْنَا مَا كُنَّا أَكَلْنَاهُ، وَقُلْتُ: هَذا جَزَاءُ مَا بِالأَمْسِ فَعَلْنَاهُ، وَأَنْشأَ أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ يَقُولُ:
يَا نَفْسُ لاَ تَتَغَثَّى ... فَالشَّهْمُ لاَ يَتَغَثَّا
مَنْ يَصْحَبِ الدَّهْرِ يَأْكلْ ... فِيهِ سَمِيناً وَغَثَّا
فَالْبَسْ لِدَهْرٍ جَدِيداً ... وَالْبَسْ لآخَرَ رَثَّا
المَقَامَةُ النَّاجِمِيَّةُ
حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: بِتُّ ذَاتَ لَيْلةٍ في كَتِيبَةِ فَضْلٍ مِنْ رُفَقَائِي، فَتَذَاكَرْنَا الفَصَاحَةَ، وَمَا وَدَّعْنَا الحَدِيثَ حَتَّى قُرِعَ عَلَيْنَا البَابُ، فَقُلْتُ: مَنِ المُنْتَابُ؟ فَقَالَ: وَفْدُ الَّليْلِ وَبَرِيدُهُ، وَفَلُّ الجُوعِ وَطَرِيدُهُ، وَغَرِيبٌ نِضْوُهُ طَلِيحُ وَعَيْشُهُ تَبْرِيحٌ، وَمِنْ دُونِ فَرْخَيْهِ مَهَامِهُ فِيحٌ، وَضَيْفٌ ظِلُّهُ خَفِيفٌ، وَضَالَّتُهُ رَغِيفُ، فَهَلْ مِنْكُمْ مُضِيفٌ؟ فَتَبَادَرْنَا إِلى فَتْحِ البَابِ وَأَنَخْنَا رَاحِلَتَهُ، وَجَمَعْنَا رُحْلَتَهُ، وَقُلْنَا: دَارَكَ أَتَيْتَ، وَأَهْلَكَ وَافَيْتَ، وَهَلُّمَّ البَيْتَ، وَضَحِكْنَا إِلَيْهِ، وَرَحَّبْنَا بِهِ، وَأَرَيْنَاهُ ضَالَّتَهُ، وَسَاعَدْنَاهُ حَتَّى شَبِعَ، وَحَادَثْنَاهُ حَتَّى أَنِسَ، وَقُلْنَا: مَنِ الطَّالِعُ بِمَشْرِقِهِ، الفَاتِنُ بِمَنْطِقِهِ؟؟ فَقَالَ:لاَ يَعْرِفُ العُودَ كَالعَاجِمِ، وَأَنَا المَعْرُوفُ بِالنَّاجِمِ، عَاَشْرتُ الدَّهْرَ لأَخْبُرَهُ، فَعَصَرْتُ أَعْصُرَهُ، وَحَلَبْتُ أَشْطُرَهُ، وَجَرَّبْتُ النَّاسَ لأَعْرِفَهُمْ، فَعَرَفْتُ مِنْهُمْ غَثَّهُمْ وَسَمينَهُمْ، وَالغُرْبَةَ لأَذُوقَهَا، فَما لَمَحَتْني أَرْضٌ إِلاَّ فَقَأْتُ عَيْنَهَا، وَلا انْتَظَمَتْ رُفْقَةٌ إِلاَّ وَلَجْتُ بَيْنَها، فَأَنَا في الشَّرْقِ أُذْكَرُ، وفي الغَرْبِ لا أُنْكَرُ، فَما مَلِكٌ إِلاَّ وَطِئْتُ بِساطَهُ، وَلا خَطْبٌ إِلاَّ خَرَقْتُ سِمَاطِهُ، وَمَا سَكَنَتْ حَرْبٌ إِلاَّ وَكُنْتُ فِيها سَفِيراً، َقْد جَرَّبَنِي الدَّهْرُ فِي زَمَنَي رَخَائِهِ وَبُوسِهِ، وَلَقِيَنِي بِوَجْهِي بِشْرِهِ وَعُبُوسِهِ. فَمَا بُحْتُ لِبُوسِهِ إِلاَّ بِلَبُوسِهِ:
وَإِنْ كَاَنَ صَرْفُ الدَّهْرِ قِدْماً أَضَرَّ بِيوَحَمَّلَنِي مِنْ رَيْبِهِ مَا يُحَمِّلُ
فَقَدْ جَاءَ بِالإِحْسَانِ حَيْثُ أَحَلَّنِيمَحَلَّةَ صِدْقٍ لَيْسَ عَنْهَا مُحَوَّلُ