قُلْنَا: لا فُضَّ فُوكَ، واللهِ أَنْتَ وَأَبْوكَ، مَا يَحْرُمُ السُّكُوتُ إِلاَّ عَلَيْكَ، وَلا يَحِلُّ النُّطْقُ إِلاَّ لَكَ، فَمِنْ أَيْنَ طَلَعْتَ؟ وَأَيَْ تَغْرُبُ؟ وَمَا الَّذِي يَحْدُو أَمَلَكَ أَمَامَكَ، وَيَسُوقُ غَرَضَكَ قُدَّامَكَ؟؟ قَالَ: أَمَّا الوَطَنُ فَاليَمَنُ، وَأَمَّا الوَطَرُ فَالمَطَرُ، وَأَمَّا السَّائِقُ فَالضُّرُّ، وَالْعَيْشُ المُرُّ، قُلْنَا: فَلَوْ أَقَمْتَ بِهَذَا المَكَانِ لَقَاسَمْنَاكَ العُمْرَ فَمَا دُونَهُ، وَلَصَادَفْتَ مِنَ الأَمْطَارِ ما يُزْرَعُ، وَمِنَ الأَنْوَاءِ ما يُكْرَع، قَالَ: مَا أَخْتَارُ عَلَيْكُمْ صَحْباً، وَلَقَدْ وَجَدْتُ فِنَاءَكُمْ رَحْباً، وَلَكِنَّ أَمْطَارَكُمْ مَاءٌ وَالمَاءُ لا يُرْوِي العِطَاشَ، قُلْنَا فَأَيُّ الأَمْطَارِ يُرْوِيكَ؟ قَالَ: مَطَرٌ خَلفَيٌّ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
سِجِسْتَانَ أَيَّتُهَا الرَّاحِلَةْ ... وَبَحْراً يَؤُّمُّ المُنَى سَاحِلَهْ
سَتَقْصِدُ أَرْجان إِنْ زُرْتَها ... بِوَاحِدَةٍ مَائَةٍ كَامِلَةْ
وَفَضْلُ الأَمِيرِ عَلَى ابْنِ العَمِيدِ ... كَفَضْلِ قُرَيْشٌ عَلَى بَاهِلَةْ
قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَخَرَجَ وَوَدَّعْناهُ وَأَقَمْنَا بَعْدَهُ بُرْهَةً نَشْتَاقُهُ، وَيُؤْلِمُنَا فِرَاقُهُ، فَبَيْنَا نَحْنُ بِيَوْمِ غَيْمٍ فِي سِمْطِ الثُّرَيَّا جُلُوسٌ إِذْ المَرَاكِبُ تُسَاقُ، وَالْجَنَائِبُ تُقَادُ، وَإِذَا رَجُلٍ قَدْ هَجَمَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: مَنِ الهَاجِمُ؟ فَإِذَا شَيْخُنَا الناَّجِمُ، يَرْفُلُ في نَيْلِ المُنَى، وَذَيْلِ الغِنَى، فَقُمْنَا إِلَيْهِ مُعَانِقِينَ، وَقُلْنَا: مَا وَرَاءَكَ يَا عِصَامُ، فَقَالَ: جِمالٌ مُوَقَرَةٌ، وَبِغَالٌ مُثْقَلَةٌ، وَحَقَائِبَ مُقْفَلَةٌ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
مَوْلايَ أَيُّ رَذِيلَةٍ لَمْ يَأَبَهَا ... خَلَفٌ؟ وَأَيُّ فَضِيلَةٍ لَمْ يَأْتِها؟
مَا يُسْمِعُ العَافِينَ إِلاَّ هَاكَهَا ... لَفْظاً، وَلَيْسَ يُجَابُ إِلاَّ هَاتِها
إِنَّ المَكَارِمَ أَسْفَرَتْ عَنْ أَوْجُهٍ ... بِيضٍ، وَكَانَ الخَالَ في وَجَنَاتِهَا
بِأَبِي شَمَائِلهُ الَّتِي تَجْلو العُلاَ ... وَيَداً تَرَى البَرَكَاتِ فِي حَرَكَاتِهَا
مَنْ عَدَّهَا حَسَنَاتِ دَهْرٍ إِنَّنِي ... مِمَّنْ يَعُدُّ الدَّهْرَ مِنْ حَسَنَاتِهَا
قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَسَأَلْنَا اللهُ بَقَاءَهُ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا لِقَاءَهُ، وَأَقَامَ النًّاجِمُ أَيَّامَاً مُقْتَصِراً مِنْ لِسَانِهِ، عَلَى شُكْرِ إِحْسَانِهِ، وَلا يَتَصَرَّفُ مِنْ كَلاَمِهِ، إِلاَّ في مَدْحِ أَيَّامِهِ، وَالتَّحَدُّثِ بِإِنْعَامِهِ.
المَقَامَةُ الخَلْفِيَّة
حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: