فاهجُرْ منِ استَغباكَ هجرَ القِلى ... وهَبْهُ كالمَلْحودِ في رمْسِهِ
والبَسْ لمَنْ في وصْلِهِ لُبسَةٌ ... لباسَ مَنْ يُرْغَبُ عنْ أُنسِهِ
ولا تُرَجِّ الوُدَّ ممّنْ يرَى ... أنّك مُحْتاجٌ الى فَلْسِهِ
قال الحارثُ بنُ همّام: فلمّا وعَيتُ ما دارَ بينهُما. تُقْتُ الى أن أعرِفَ عينَهُما. فلمّا لاحَ ابنُ ذُكاء. وألحَفَ الجوَّ الضّياءُ. غدَوْتُ قبلَ استِقلالِ الرّكابِ. ولا اغتِداءَ الغُرابِ. وجعلْتُ أستَقْري صوْبَ الصّوتِ اللّيْليّ. وأتوسّمُ الوُجوهَ بالنّظَرِالجَليّ. الى أنْ لمحْتُ أبا زيْدٍ وابنَهُ يتحادَثان. وعلَيهِما بُرْدانِ رثّانِ. فعَلِمتُ أنّهُما نجِيّا ليلَتي. ومُعْتَزَى رِوايَتي. فقَصَدْتُهُما قصْدَ كلِفٍ بدَماثَتِهِما. راثٍ لرَثاثَتِهِما. وأبَحْتُهُما التحَوّلَ الى رحْلي. والتّحكّمَ في كُثْري وقُلّي. وطَفِقْتُ أُسيّرُ بينَ السّيّارةِ فضْلَهُما. وأهُزّ الأعْوادَ المُثمِرَةَ لهُما. الى أنْ غُمِرا بالنُّحْلانِ. واتُّخِذا منَ الخُلاّنِ. وكُنّا بمعرَّسٍ نتبيّنُ منْهُ بُنْيانَ القُرَى. ونتنوّرُ نيرانَ القِرَى. فلمّا رأى أبو زيدٍ امتِلاءَ كِيسِهِ. وانجِلاءَ بُوسِهِ. قال لي: إنّ بدَني قدِ اتّسَخَ. ودرَني قد رسَخَ. أفتأذَنُ لي في قصْدِ قريَةٍ لأستَحمّ. وأقضيَ هذا المُهِمَّ؟ فقلتُ: إذا شِئْتَ فالسّرعَةَ السّرْعَهْ. والرّجعَةَ الرّجْعَهْ! فقال: ستجِدُ مطْلَعي عليْكَ. أسرَعَ منِ ارْتِدادِ طرْفِكَ إليْكَ. ثمّ استَنّ استِنانَ الجَوادِ في المِضْمارِ. وقال لابْنِهِ: بَدارِ بَدارِ! ولمْ نخَلْ أنّهُ غَرَّ. وطلَبَ المفَرّ. فلبِثْنا نرقُبُهُ رِقبَةَ الأعْيادِ. ونستَطلِعُهُ بالطّلائِعِ والرّوّادِ. الى أنْ هَرِمَ النّهارُ. وكادَ جُرُفُ اليومِ ينْهارُ. فلمّا طالَ أمَدُ الانتِظارِ. ولاحَتِ الشمسُ في الأطْمارِ. قُلتُ لأصْحابي: قد تَناهَيْنا في المُهْلَةِ. وتمادَيْنا في الرّحلَةِ. الى أنْ أضَعْنا الزّمانَ. وبانَ أنّ الرجُلَ قد مان. فتأهّبوا للظّعَنِ. ولا تَلْووا على خضْراء الدِّمنِ. ونَهَضْتُ لأحدِجَ راحِلَتي. وأتحمّلَ لرِحلَتي. فوجدْتُ أبا زيْدٍ قد كتبَ. على القَتَبِ:
يا مَنْ غَدا لي ساعِداً ... ومُساعِداً دونَ البَشَرْ
لا تحْسَبَنْ أنّي نأي ... تُكَ عنْ مَلالٍ أو أشَرْ
لكنّني مُذْ لمْ أزَلْ ... ممّنْ إذا طَعِمَ انتشَرْ
قال: فأقْرَأتُ الجَماعةَ القتَبَ. ليعْذِرَهُ منْ كان عتَبَ. فأُعجِبوا بخُرافَتِه. وتعوّذوا منْ آفَتِه. ثمّ إنّا ظعَنّا. ولمْ ندْرِ منِ اعتاضَ عنّا.
المقامة الكوفيّة
حَكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: سمَرْتُ بالكوفَةِ في ليلَةٍ أديمُها ذو لوْنَينِ. وقمرُها كتَعْويذٍ من لُجَينٍ. معَ رُفقَةٍ غُذوا بلِبانِ البَيانِ. وسحَبوا على سَحْبانَ ذيْلَ النّسْيانِ. ما فيهِمْ إلا مَنْ يُحْفَظُ عنْهُ ولا يُتَحفَّظُ منْهُ. ويَميلُ الرّفيقُ إليهِ ولا يَميلُ عنهُ. فاستَهْوانا السّمَرُ. الى أنْ غرَبَ القمَرُ. وغلَبَ السّهَرُ. فلمّا روّقَ الليْلُ البَهيمُ. ولمْ يبْقَ إلا التّهويمُ. سمِعْنا منَ البابِ نبْأةَ مُستَنْبِحٍ. ثمّ تلَتْها صكّةُ مُستفْتِحٍ. فقُلنا: منِ المُلِمّ. في اللّيلِ المُدْلَهِمّ؟ فقال:
يا أهلَ ذا المَغْنى وُقيتُمْ شَرّا ... ولا لَقيتُمْ ما بَقيتُمْ ضُرّا
قدْ دفَعُ الليلُ الذي اكْفَهَرّا ... الى ذَراكُمُ شَعِثاً مُغْبَرّا
أخا سِفارٍ طالَ واسْبَطَرّا ... حتى انْثَنى مُحْقَوْقِفاً مُصْفَرّا
مثلَ هِلالِ الأُفْقِ حينَ افْتَرّا ... وقد عَرا فِناءكُمْ مُعْتَرّا
وأمَّكُمْ دونَ الأنام طُرّا ... يبْغي قِرًى منكُمْ ومُستَقَرّا
فَدونَكُمْ ضَيْفاً قَنوعاً حُرّا ... يرْضَى بما احْلَوْلى وما أمَرّا
وينثَني عنْكُمْ ينُثّ البِرّا