قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فلمّا خلَبَنا بعُذوبَةِ نُطقِهِ. وعلِمْنا ما وَراء برْقِه. ابتَدَرْنا فتْحَ البابِ. وتلَقّيناهُ بالتّرْحابِ. وقُلْنا للغُلامِ: هيّا هَيّا. وهلُمّ ما تَهيّا! فقالَ الضّيفُ: والذي أحَلّني ذَراكُمْ. لا تلَمّظْتُ بقِراكُمْ. أو تَضْمَنوا لي أنْ لا تتّخِذوني كَلاًّ. ولا تجَشّموا لأجْلي أكْلاً. فرُبّ أكْلَةٍ هاضَتِ الآكِلَ. وحرَمَتْهُ مآكِلَ. وشَرُّ الأضْيافِ مَنْ سامَ التّكليفَ. وآذَى المُضيفَ. خُصوصاً أذًى يعْتَلِقُ بالأجْسامِ. ويُفْضي الى الأسْقامِ. وما قيلَ في المثَلِ الذي سارَ سائِرُهُ: خيرُ العَشاء سَوافِرُهُ. إلا ليُعَجَّلَ التّعَشّي. ويُجْتَنَبَ أكْلُ اللّيلِ الذي يُعْشي. اللهُمّ إلاّ أن تقِدَ نارُ الجوعِ. وتَحولَ دونَ الهُجوعِ. قال: فكأنّهُ اطّلعَ على إرادَتِنا. فرَمى عنْ قوْسِ عَقيدَتِنا. لا جَرَم أنّا آنَسْناهُ بالتِزامِ الشّرْطِ. وأثْنَينا على خُلُقِهِ السّبْطِ. ولمّا أحْضَرَ الغُلامُ ما راجَ. وأذْكى بينَنا السّراجَ. تأمّلتُهُ فإذا هوَ أبو زيْدٍ فقُلتُ لصَحْبي: ليُهْنَأكُمُ الضّيفُ الوارِدُ. بلِ المَغْنَمُ البارِدُ. فإنْ يكُنْ أفَلَ قمَرُ الشِّعْرَى فقدْ طلَعَ قمَرُ الشِّعْرِ. أوِ استَسَرّ بدْرُ النّثْرَةِ فقدْ تبلّجُ بدْرُ النّثْرِ. فسرَتْ حُمَيّا المسَرّةِ فيهِمْ. وطارَتِ السِّنَةُ عنْ مآقِيهِمْ. ورَفَضوا الدَّعَةَالتي كانوا نَوَوْها. وثابُوا الى نشْرِ الفُكاهَةِ بعْدَما طوَوْها. وأبو زيْدٍ مُكِبٌّ على إعْمالِ يدَيْهِ. حتى إذا استَرْفَعَ ما لدَيْهِ. قلتُ لهُ: أطْرِفْنا بغَريبَةٍ منْ غَرائِبِ أسْمارِكَ. أو عَجيبَةٍ منْ عَجائِبِ أسفارِكَ. فقال: لقدْ بلَوْتُ منَ العَجائِبِ ما لمْ يرَهُ الرّاؤونَ. ولا رواهُ الرّاوونَ. وإنّ منْ أعجبِها ما عايَنْتُهُ الليلَةَ قُبَيلَ انْتِيابِكُمْ. ومَصيري الى بابِكُمْ. فاستَخْبَرْناهُ عَنْ طُرفَةِ مَرآهُ. في مسرَحِ مسْراهُ. فقال: إنّ مَراميَ الغُربَةِ. لفَظَتْني الى هذِهِ التُرْبَةِ. وأنا ذو مَجاعَةٍ وبوسَى. وجِرابٍ كفؤادِ أمّ موسَى. فنهَضْتُ حينَ سَجا الدُجى. على ما بي منَ الوَجَى. لأرْتادَ مُضيفاً. أو أقْتادَ رَغيفاً. فساقَني حادِي السّغَبِ. والقضاءُ المُكنّى أبا العجَبِ. الى أنْ وقفْتُ على بابِ دارٍ. فقلْتُ على بِدارٍ:
حُييتُمُ يا أهلَ هذا المنزِلِ ... وعِشتُمُ في خفضِ عيشٍ خضِلِ
ما عندكُمْ لابنِ سَبيلٍ مُرمِلِ ... نِضْوِ سُرًى خابِطِ ليْلٍ ألْيَلِ
جَوِي الحَشى على الطّوى مُشتَمِلِ ... ما ذاقَ مذْ يومانِ طعمَ مأكَلِ
ولا لهُ في أرضِكُمْ منْ مَوْئِلِ ... وقد دَجا جُنْحُ الظّلامِ المُسبِلِ
وهْوَ منَ الحَيرَةِ في تملْمُلِ ... فهلْ بهَذا الرَّبعِ عذبُ المنهَلِ
يقول لي: ألْقِ عَصاكَ وادخُلِ ... وابْشَرْ ببِشْرٍ وقِرًى مُعجَّلِ
قال: فبرزَ إليّ جَوْذَرٌ. عليهِ شَوْذَرٌ. وقال:
وحُرمَةِ الشّيخِ الذي سنّ القِرَى ... وأسّسَ المحْجوجَ في أُمّ القُرَى
ما عِندَنا لِطارِقٍ إذا عَرا ... سوى الحديثِ والمُناخِ في الذَّرَى
وكيفَ يقْري مَنْ نَفى عنه الكَرى ... طوًى برَى أعظُمَهُ لمّا انْبَرى
فما تَرى فيما ذكرتُ ما تَرى