ثمّ تلقّاني بمُحيّا حَييٍّ. وصافَحَني براحَةِ أريَحِيٍّ. واقْتادَني الى بيتٍ عِشارُهُ تخورُ. وأعْشارُهُ تفورُ. وولائِدُهُ تمورُ. وموائِدُهُ تدورُ. وبأكْسارِهِ أضْيافٌ قدْ جلبَهُم جالِبي. وقُلّبوا في قالَبي. وهُمْ يجتَنونَ فاكِهةَ الشّتاء. ويمرَحونَ مرَحَ ذَوي الفَتاء. فأخذْتُ مأخذَهُمْ في الاصطِلاء. ووجدْتُ بهِمْ وجْدَ الثّمِلِ بالطِّلاء. ولمّا أنْ سَرى الحصَرُ. وانْسَرى الخَصَرُ. أُتينا بمَوائِدَ كالهالاتِ دَوْراً. والرّوْضاتِ نَوْراً. وقد شُحنّ بأطْعِمَةِ الوَلائمِ. وحُمينَ منَ العائِبِ واللائِمِ. فرفَضْنا ما قيلَ في البِطنَةِ. ورأيْنا الإمْعانَ فيها منَ الفِطنَةِ. حتى إذا اكتَلْنا بصاعِ الحُطَمِ. وأشْفَيْنا على خطَرِ التُخَمِ. تعاوَرْنا مَشوشَ الغمَرِ. ثمّ تبوّأنا مقاعِدَ السّمَرِ. وأخذَ كُلُّ واحِدٍ منا يَشولُ بلِسانِهِ. وينشُرُ ما في صِوانِهِ. ما عَدا شيخاً مُشتَهِباً فَوْداهُ. مُخلَوْلِقاً بُرْداهُ. فإنّهُ ربَضَ حَجرَةً. وأوسَعَنا هِجرَةً. فغاظَنا تجنّبُهُ. المُلتَبِسُ موجِبُهُ. المعْذورُ فيهِ مؤنّبُهُ. إلا أنّا ألَنّا لهُ القوْلَ. وخشِينا في المسألَةِ العوْلَ. وكلّما رُمْنا أنْ يَفيضَ كما فِضْنا. أو يُفيضَ في ما أفَضْنا. أعْرَضَ إعْراضَ العِلّيّةِ عنِ الأرْذَلينَ. وتَلا: إنْ هذا إلا أساطيرُ الأوّلينَ. ثمّ كأنّ الحَميّةَ هاجَتْهُ. والنّفْسَ الأبيّةَ ناجَتْهُ. فدلَفَ وازْدَلَفَ. وخلعَ الصّلَفَ. وبذلَ أنْ يتَلافى ما سلَفَ. ثمّ استرْعى سمْعَ السّامِرِ. واندفَعَ كالسّيلِ الهامِرِ. وقال:
عِندي أعاجيبُ أرْويها بلا كذِبِ ... عنِ العِيانِ فكَنّوني أبا العجَبِ
رأيتُ يا قوْمِ أقْواماً غذاؤهُمُ ... بَوْلُ العجوزِ وما أعني ابنَةَ العِنَبِ
ومُسنِتِينَ منَ الأعْرابِ قوتُهُمُ ... أن يشتووا خِرقةً تُغني من السّغَبِ
وقادِرينَ متى ما ساء صُنعُهُمُ ... أو قصّروا فيه قالوا الذّنْبُ للحطَبِ
وكاتِبينَ وما خطّتْ أنامِلُهُمْ ... حرْفاً ولا قرَأوا ما خُطّ في الكُتُبِ
وتابِعينَ عُقاباً في مسيرِهِمِ ... على تكمّيهِمِ في البيْضِ واليَلَبِ
ومُنتَدينَ ذَوي نُبْلٍ بدَتْ لهُمُ ... نبيلَةٌ فانْثَنوْا منها الى الهرَبِ
وعُصبَةً لمْ ترَ البيْتَ العَتيقَ وقدْ ... حجّتْ جُثِيّاً بلا شكٍّ على الرُّكَبِ
ونِسوَةً بعدَما أدْلجنَ من حلَبٍ ... صبّحنَ كاظِمَةً من غيرِ ما تعَبِ
ومُدلِجينَ سرَوْا من أرضِ كاظِمَةٍ ... فأصبَحوا حينَ لاحَ الصُبحُ في حلَبِ
ويافِعاً لم يُلامِسْ قطُّ غانِيَةً ... شاهَدتُهُ ولهُ نسلٌ منَ العَقِبِ
وشائِباً غيرَ مُخْفٍ للمَشيبِ بَدا ... في البَدْوِ وهْوَ فتيُّ السِّنّ لم يشِبِ
ومُرضَعاً بلِبانٍ لمْ يفُهْ فمُهُ ... رأيتُهُ في شِجارٍ بيّنِ السّبَبِ
وزارِعاً ذُرَةً حتى إذا حُصِدَتْ ... صارتْ غُبَيراء يهواها أخو الطّرَبِ
وراكِباً وهْوَ مغلولٌ على فرَسٍ ... قد غُلّ أيضاً وما ينفكّ عن خبَبِ
وذا يدٍ طُلُقٍ يقْتادُ راحِلَةً ... مُستَعجِلاً وهْوَ مأسورٌ أخو كُرَبِ
وجالِساً ماشياً تهْوي مطيّتُهُ ... بهِ وما في الذي أوْرَدتُ من رِيَبِ
وحائكاً أجْذَمَ الكفّينِ ذا خرَسٍ ... فإن عجبتمْ فكمْ في الخَلقِ من عجَبِ
وذا شَطاطٍ كصدرِ الرّمحِ قامَتُهُ ... صادَفتُهُ بمِنًى يشكو منَ الحدَبِ
وساعياً في مسَرّاتِ الأنامِ يرى ... إفْراحَهُمْ مأثماً كالظُّلمِ والكذِبِ
ومُغْرَماً بمُناجاةِ الرّجالِ لهُ ... وما له في حديثِ الخلقِ من أرَبِ
وذا ذِمامٍ وفَتْ بالعَهْدِ ذمّتُهُ ... ولا ذِمامَ لهُ في مذهَبِ العرَبِ