فقالَ لهُ القاضي: قاتَلَهُ اللهُ فما أحسَنَ شُجونَهُ. وأملَحَ فنونَهُ! ثمّ إنّهُ أصْحَبَ رائِدَهُ بفرْدَينِ. وصُرّةً منَ العينِ. وقالَ لهُ: سِرْ سَيرَ منْ لا يرَى الالتِفاتَ. الى أن تَرى الشيْخَ والفَتاةَ. فبُلّ يدَيْهِما بهَذا الحِباء. وبيّن لهُما انخِداعي للأدَباء. قال الرّاوي: فلمْ أرَ في الاغتِرابِ. كهَذا العُجابِ. ولا سمِعْتُ بمِثلِه ممّنْ جالَ وجابَ.
المقامة الحلبيّة
روى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: نزعَ بي الى حلَبَ. شوْقٌ غلَبَ. وطلَبٌ يا لهُ من طلَبٍ! وكنتُ يومَئِذٍ خَفيفَ الحاذِ. حَثيثَ النّفاذِ. فأخذْتُ أُهبَةَ السيرِ. وخفَفْتُ نحوَها خُفوفَ الطّيرِ. ولمْ أزَلْ مُذْ حلَلْتُ رُبوعَها. وارْتبَعْتُ ربيعَها. أُفاني الأيّامَ. في ما يَشْفي الغَرامَ. ويُرْوي الأُوامَ. الى أنْ أقْصرَ القلْبُ عنْ وَلوعِهِ. واسْتَطارَ غُرابُ البينِ بعْدَ وقوعِهِ. فأغْراني البالُ الخِلْوُ. والمرَحُ الحُلوُ. بأنْ أقصِدَ حِمْصَ. لأصْطافَ ببُقعَتِها. وأسبُرَ رَقاعَةَ أهلِ رُقعتِها. أفْرَعْتُ إليْها إسْراعَ النّجْمِ. إذا انْقَضّ للرّجْمِ. فحينَ خيّمتُ برُسومِها. ووجَدْتُ رَوْحَ نَسيمِها. لمحَ طَرْفي شيْخاً قد أقبلَ هَريرُهُ. وأدبَرَ غَريرُهُ. وعندَهُ عشَرَةُ صِبْيانٍ. صِنْوانٌ وغيرُ صِنْوانٍ. فطاوَعْتُ في قصْدِهِ الحِرصَ. لأخبُرَ بهِ أُدَباءَ حِمصَ. فبَشّ بي حينَ وافَيتُهُ. وحيّا بأحسَنَ ممّا حيّيتُهُ. فجلسْتُ إليْهِ لأبلوَ جنى نُطقِهِ. وأكْتَنِهَ كُنْهَ حُمقِهِ. فما لبِثَ أنْ أشارَ بعُصَيّتِهِ. الى كُبْرِ أُصَيْبِيَتِهِ. وقال لهُ: أنشِدِ الأبياتَ العَواطِلَ. واحْذَرْ أن تُماطِلَ. فجَثا جِثوَةَ ليْثٍ. وأنشدَ منْ غيرِ ريْثٍ:
أعْدِدْ لحُسّادِكَ حدّ السّلاحْ ... وأوْرِدْ وِرْدَ السّماحْ
وصارِمِ اللّهْوَ ووصْلَ المَها ... وأعمِلِ الكومَ وسُمرَ الرّماحْ
واسْعَ لإدْراكِ محَلٍّ سَما ... عِمادُهُ لا لادّراعِ المِراحْ
واللهِ ما السّؤدُدُ حسْوُ الطِّلا ... ولا مَرادُ الحَمدِ رُودٌ رَداحْ
واهاً لحُرٍّ واسِعٍ صدرُهُ ... وهمُّهُ ما سَرّ أهْلَ الصّلاحْ
مورِدُهُ حُلوٌ لسؤّالِهِ ... ومالُهُ ما سألوهُ مُطاحْ
ما أسمَعَ الآمِلَ رَدّاً ولا ... ماطَلَهُ والمطْلُ لؤمٌ صُراحْ
ولا أطاعَ اللّهْوَ لمّا دَعا ... ولا كَسا راحاً لهُ كأسَ راحْ
سوّدَهُ إصْلاحُهُ سرَّهُ ... ورَدْعُهُ أهْواءهُ والطِّماحْ
وحصّلَ المدْحَ لهُ علمُهُ ... ما مُهِرَ العورُ مُهورَ الصِّحاحْ
فقال لهُ: أحسَنتَ يا بُدَيرُ. يا رأسَ الدّيرِ! ثمّ قالَ لتِلوِهِ. المُشتَبِهِ بصِنْوِهِ: ادنُ يا نُوَيرَةُ. يا قمَرَ الدُوَيرَةِ! فدَنا ولمْ يتَباطا. حتى حلّ منهُ مقْعَدَ المُعاطى. فقال لهُ: اجْلُ الأبْياتَ العَرائِسَ. وإنْ لمْ يكُنّ نَفائِسَ. فبَرى القلَم وقَطّ. ثمّ احْتَجَرَ اللّوْحَ وخطّ:
فتَنَتْني فجنّنَتْني تجَنّي ... بتَجنٍّ يفْتَنّ غِبَّ تجَنّي
شغَفَتني بجَفنِ ظَبْيٍ غَضيضٍ ... غنِجٍ يقْتَضي تغَيُّضَ جَفْني
غَشيَتْني بزِينتَينِ فشفّتْ ... ني بزِيٍّ يشِفّ بينَ تثَنّي
فتظَنّيتُ تجْتَبيني فتجْزي ... ني بنَفْثٍ يشْفي فخُيّبَ ظنّي
ثبّتَتْ فيّ غِشّ جيْبٍ بتَزْيي ... نِ خَبيثٍ يبْغي تشَفّيَ ضِغْن
فنَزَتْ في تجنّي فثنَتْ ... ني بنَشيجٍ يُشْجي بفَنٍّ ففَنّ
فلمّا نظرَ الشيخُ الى ما حبّرَهُ. وتصفّحَ ما زبَرَهُ. قال له: بورِكَ فيكَ منْ طَلاً. كما بورِكَ في لا ولا. ثمّ هتَفَ: اقْرُبْ. يا قُطْرُبُ. فاقْتَرَبَ منهُ فتًى يحْكي نجْمَ دُجْيةٍ. أو تِمْثالَ دُميةٍ. فقال لهُ: ارْقُمِ الأبْياتَ الأخْيافَ. وتجنّبِ الخِلافَ. فأخذَ القلَمَ ورقَمَ:
إسْمَحْ فبَثُّ السّماحِ زَينٌ ... ولا تُخِبْ آمِلاً تضَيّفْ