ثم انتَظَمْتُ معَ رُفقَةٍ كنجومِ اللّيلِ. لهُمْ في السيرِ جِرْيَةُ السّيلِ. والى الخيرِ جرْيُ الخَيلِ. فلمْ نزَلْ بينَ إدْلاجٍ وتأوِيبٍ. وإيجافٍ وتقْريبٍ. الى أنْ حبَتْنا أيْدي المَطايا بالتُّحْفَةِ. في إيصالِنا الى الجُحْفَةِ. فحلَلْناها متأهّبينَ للإحْرامِ. مُتباشِرِينَ بإدْراكِ المَرامِ. فلمْ يكُ إلا أنْ أنَخْنا بها الرّكائِبَ. وحطَطْنا الحقائِبَ. حتى طلعَ عليْنا منْ بينِ الهِضابِ. شخْصٌ ضاحي الإهابِ. وهوَ يُنادي: يا أهْلَ ذا النّادي. هلُمّ الى ما يُنْجي يوْمَ التّنادي! فانْخرَطَ إليْهِ الحَجيجُ وانْصلَتوا. واحْتَفّوا بهِ وأنْصَتوا. فلمّا رأى تأثُّفَهُمْ حولَهُ. واستِعْظامَهُمْ قولَهُ. تسَنّمَ إحْدى الإكامِ. ثمّ تنحْنَحَ مُستَفْتِحاً للكلامِ. وقال: يا معْشرَ الحُجّاجِ. النّاسِلينَ منَ الفِجاجِ. أتَعْقِلونَ ما تُواجِهونَ. والى منْ تتوجّهونَ؟ أم تدرونَ على مَنْ تَقْدَمونَ. وعلامَ تُقدِمونَ؟ أتَخالونَ أنّ الحجّ هوَ اختِيارُ الرّواحلِ. وقطْعُ المراحِلِ. واتّخاذُ المَحامِلِ. وإيقارُ الزّوامِلِ؟ أم تظنّونَ أنّ النُسْكَ هوَ نَضْوُ الأرْدانِ. وإنْضاءُ الأبْدانِ. ومُفارقَةُ الوِلْدانِ. والتّنائي عنِ البُلْدانِ؟ كلاّ واللهِ بل هوَ اجتِنابُ الخَطيّةِ. قبلَ اجْتِلابِ المطيّةِ. وإخلاصُ النّيّةِ. في قصْدِ تلكَ البَنِيّةِ. وإمْحاضُ الطّاعةِ. عندَ وُجْدانِ الاستِطاعَةِ. وإصْلاحُ المُعامَلاتِ. أمام إعْمالِ اليَعْمَلاتِ. فوالذي شرَعَ المَناسِكَ للنّاسِكِ. وأرشَدَ السّالِكَ في اللّيلِ الحالِكِ. ما يُنْقي الاغتِسالُ بالذَّنوبِ. منَ الانغِماسِ في الذُّنوبِ! ولا تعدِلُ تعرِيَةُ الأجْسامِ. بتَعْبِيَةِ الأجْرام. ولا تُغْني لِبْسَةُ الإحْرامِ. عنِ المتلبِّسِ بالحَرامِ. ولا ينفَعُ الاضْطِباعُ بالإزارِ. معَ الاضْطِلاعِ بالأوْزارِ. ولا يُجْدي التّقرّبُ بالحَلْقِ. مع التّقلّبِ في ظُلْمِ الخلْقِ. ولا يَرْحَضُ التّنسّكُ في التّقصيرِ. درَنَ التّمسّكِ بالتّقصيرِ. ولا يَسعَدُ بعَرَفَةَ. غيرُ أهلِ المعرِفَةِ. ولا يزْكو بالخَيْفِ. منْ يرغَبُ في الحَيْفِ. ولا يشْهَدُ المَقامَ. إلا منِ استَقامَ. ولا يَحْظى بقَبولِ الحِجّةِ. منْ زاغَ عنِ المحَجّةِ. فرحِمَ اللهُ امْرأً صَفا. قبلَ مسْعاهُ الى الصّفا. وورَدَ شَريعةَ الرّضى. قبلَ شُروعِهِ على الأضا. ونزعَ عنْ تَلْبيسِهِ. قبلَ نزْعِ مَلبوسِهِ. وفاضَ بمعْروفِهِ. قبلَ الإفاضَةِ منْ تعريفِهِ. ثمّ رفعَ عَقيرَتَهُ بصوتٍ أسْمَعَ الصُمَّ. وكادَ يُزعزِعُ الجِبالَ الشُمَّ. وأنشدَ:
ما الحَجُّ سيرُكَ تأويباً وإدْلاجا ... ولا اعْتِيامُكَ أجْمالاً وأحداجا
ألحَجُّ أن تقصِدَ البيتَ الحرامَ على ... تجْريدِكَ الحَجّ لا تقْضي به حاجا
وتمْتَطي كاهِلَ الإنْصافِ متّخذاً ... ردعَ الهَوى هادِياً والحَقَّ مِنْهاجا
وأنْ تُؤاسيَ ما أوتيتَ مَقدُرَةً ... مَنْ مدّ كفّاً الى جدْواكَ مُحْتاجا
فهَذهِ إنْ حوَتْها حِجّةٌ كمُلَتْ ... وإنْ خَلا الحجُّ منها كان إخداجا
حسْبُ المُرائينَ غَبْناً أنهُمْ غرَسوا ... وما جنَوا ولَقوا كدّاً وإزْعاجا
وأنّهُمْ حُرِموا أجْراً ومَحْمَدَةً ... وألحَموا عِرضَهم من عابَ أوْ هاجى
أُخَيَّ فابْغِ بما تُبدِيهِ منْ قُرَبٍ ... وجْهَ المُهَيمِنِ ولاّجاً وخرّاجا
فلَيسَ تخْفَى على الرّحمَنِ خافِيَةٌ ... إنْ أخلَصَ العبدُ في الطاعاتِ أو داجى
وبادِرِ الموْتَ بالحُسْنى تُقدّمُها ... فما يُنَهْنَهُ داعي الموتِ إن فاجا
واقْنَ التّواضُعَ خُلْقاً لا تُزايِلُهُ ... عنكَ اللّيالي ولوْ ألْبَسنَكَ التّاجا
ولا تَشِمْ كلَّ خالٍ لاحَ بارِقُهُ ... ولوْ تَراءى هَتونَ السّكْبِ ثجّاجا
ما كُلّ داعٍ بأهلٍ أن يُصاخَ لهُ ... كم قد أصَمّ بنَعيٍ بعضُ منْ ناجى