وما اللّبيبُ سوى مَنْ باتَ مُقتنعاً ... ببُلْغَةٍ تُدرِجُ الأيّامَ إدْراجا
فكلُّ كُثْرٍ الى قُلٍّ مَغبّتُهُ ... وكلّ نازٍ الى لينٍ وإنْ هاجا
قال الرّاوي: فلمّا ألْقَحَ عُقْمَ ا لأفْهامِ. بسِحْرِ الكَلامِ. استَروَحْتُ ريحَ أبي زيدٍ. ومادَ بيَ الارْتِياحُ إليْهِ أيَّ ميْدٍ. فمكثْتُ حتى استوْعَبَ نثَّ حِكمَتِهِ. وانحدَرَ منْ أكمَتِهِ. ثمّ دلَفْتُ إليْهِ لأتصفّحَ صفَحاتِ مُحيّاهُ. واستشِفّ جوهَرَ حِلاهُ. فإذا هوَ الضّالّةُ التي أنشُدُها. وناظِمُ القَلائِدِ اللاتي أنشدَها. فعانَقْتُهُ عِناقَ اللامِ للألِفِ. ونزّلتُهُ منزِلَةَ البُرْء عندَ الدّنِفِ. وسألتُهُ أن يُلازِمَني فأبى. أو يُزامِلَني فنَبا. وقال: آلَيتُ في حِجّتي هذِهِ أن لا أحْتَقِبَ ولا أعتَقِبَ. ولا أكتَسِبَ ولا أنتَسِبَ. ولا أرتَفِقَ. ولا أُرافِقَ. ولا أُوافِقَ منْ يُنافِقُ. ثمّ ذهبَ يهرْوِلُ. وغادرَني أوَلوِلُ. فلمْ أزَلْ أقْريهِ نظَري. وأوَدُّ لوْ يمشي على ناظِري. حتى توقّلَ أحدَ الأطْوادِ. ووقفَ للَجيجِ بالمِرْصادِ. فلمّا شاهدَ إيضاعَ الرُكْبانِ. في الكُثْبانِ. وقّعَ بالبَنانِ على البَنانِ. واندفَعَ يُنشِدُ:
ليسَ منْ زارَ راكِباً ... مثلَ ساعٍ على القدَمْ
لا ولا خادِمٌ أطا ... عَ كعاصٍ منَ الخدَمْ
كيفَ يا قوْمِ يسْتَوي ... سعْيُ بانٍ ومَنْ هدمْ
سيُقيمُ المُفَرِّطو ... نَ غداً مأتَمَ النّدَمْ
ويقولُ الذي تقرّ ... بَ طوبَى لمنْ خدَمْ
ويْكِ يا نفْسُ قدّمي ... صالحاً عندَ ذي القِدَمْ
وازْدَري زُخْرُفَ الحيا ... ةِ فوُجْدانُهُ عدَمْ
واذْكُري مصْرعَ الحِما ... مِ إذا خطْبُهُ صدَمْ
وانْدُبي فعْلَكِ القَبي ... حَ وسُحّي لهُ بدَمْ
وادْبُغيهِ بتوْبَةٍ ... قبلَ أن يحْلَمَ الأدَمْ
فعسى اللهُ أنْ يقي ... كِ السّعيرَ الذي احتدَمْ
يومَ لا عثْرَةٌ تُقا ... لُ ولا ينفعُ السّدَمْ
ثمّ إنّهُ أغمضَ عضْبَ لِسانِهِ. وانطلَقَ لِشانِهِ. فما زِلْتُ في كلّ موْرِدٍ نرِدُهُ. ومعَرَّسٍ نتوسّدُهُ. أتفقّدُهُ فأفْقِدُهُ. وأستَنْجِدُ بمَنْ يَنشُدُهُ فلا يجِدُهُ. حتى خِلتُ أنّ الجِنّ اختَطفَتْهُ. أوِ الأرضَ اقتطَفَتْهُ. فما كابَدْتُ في الغُربَة. كهذهِ الكُربَةِ. ولا مُنِيتُ في سَفْرَةٍ. بمِثلِها منْ زفْرَةٍ.
المقامة الطّيْبيّة