ومن غريب ما اتفق لي بجدة أنه وقف على بابي سائل أعمى يطلب الماء يقوده غلام، فسلم علي وسماني باسمي وأخذ بيدي، ولم أكن عرفته قط، ولا عرفني فعجبت من شأنه ثم أمسك أصبعي بيده وقال: أين الفتخة ؟ وهي الخاتم وكنت حين خروجي من مكة لقيني بعض الفقراء وسألني، ولم يكن عندي في ذلك الحين شيء فدفعت له خاتمي. فلما سألني عنه هذا الأعمى قلت له: أعطيته لفقير. فقال: ارجع في طلبه فإن فيه أسماء مكتوبة فيها سر من الأسرار فطال تعجبي منه ومن معرفته بذلك، والله أعلم بحاله، وبجدة جامع يعرف بجامع الآبنوس، معروف البركة يستجاب به الدعاء، وكان الأمير بها أبا يعقوب بن عبد الرزاق، وقاضيها وخطيبها الفقيه عبد الله من أهل مكة شافعي المذهب، وإذا كان يوم الجمعة واجتمع الناس للصلاة أتى المؤذن، وعد أهل جدة المقيمين بها فإن أكملوا أربعين خطب وصلى بهم الجمعة، وإن لم يبلغ عددهم أربعين صلى ظهراً أربعاً، ولا يعتبر من ليس من أهلها وإن كانوا عدداً كثيراً. ثم ركبنا البحر من جدة في مركب يسمونه الجلبة وكان لرشيد الدين الألفي اليمني الحبشي الأصل، وركب الشريف منصور ابن أبي نمي في جلبة أخرى، ورغب مني أن أكون معه فلم أفعل، لكونه كان معه في جلبته الجمال فخفت من ذلك، ولم أكن ركبت البحر قبلها وكان هنالك جملة من أهل اليمن قد جعلوا زوادهم وأمتعتهم في الجلب وهم متأهبون للسفر.
حكاية
ولما ركبنا البحر أمر الشريف منصور أحد غلمانه أن يأتيه بعديلة دقيق، وهي نصف حمل وبطة سمن، يأخذهما من جلب أهل اليمن. فأخذهما وأتى بهما إليه، فأتاني التجار باكين، وذكروا إلى أن في جوف تلك العديلة عشرة آلاف درهم نقرة، ورغبوا مني أن أكلمه في ردها، وأن يأخذ سواها، فأتيته وكلمته في ذلك وقلت له: إن للتجار في جوف هذه العديلة شيئاً، فقال: إن كان سكراً فلا أرده إليهم، وإن كان سوى ذلك فهو لهم، ففتحوها ووجدوا الدراهم، فردها عليهم وقال لي: لو كان عجلان ما ردها وعجلان هو ابن أخيه رميثة، وكان قد دخل في تلك الأيام دار تاجر من أهل دمشق قاصداً لليمن، فذهب بمعظم ما كان فيها، وعجلان هو أمير مكة على هذا العهد، وقد صلح حاله، وأظهر العدل والفضل. ثم سافرنا في هذا البحر بالريح الطيبة يومين، وتغيرت الريح بعد ذلك وصدتنا عن السبيل التي قصدناها، ودخلت أمواج البحر معنا في المركب، واشتد الميد بالناس ، ولم نزل في أهوال حتى خرجنا في مرسى يعرف برأس دوائر، فيما بين عيذاب وسواكن فنزلنا به، ووجدنا بساحله عريش قصب على هيئة مسجد، وبه كثير من قشور بيض النعام مملوءة ماء فشربنا منه، وطبخنا ورأيت في ذلك المرسى عجباً، وهو خور مثل الوادي يخرج من البحر، فكان الناس يأخذون الثوب ويمسكون بأطرافه ويخرجون به، وقد امتلأ سمكاً، كل سمكة منها قدر الذراع، ويعرفونه بالبوري فطبخ منه الناس كثيراً واشتروا وقصدت إلينا طائفة من البجاة، وهم سكان تلك الأرض سود الألوان، لباسهم الملاحف الصفر، ويشدون على رؤوسهم عصائب حمراً، عرض الأصبع، وهم أهل نجدة وشجاعة، وسلاحهم الرماح والسيوف، ولهم جمال يسمونها الصهب، يركبونها بالسروج فاكترينا منهم الجمال، وسافرنا معهم في برية كثيرة الغزلان، والبجاة لا يأكلونها وهي تأنس بالآدمي ولا تنفر منه. وبعد يومين من مسيرنا وصلنا إلى حي من العرب يعرفون بأولاد كاهل، مختلطين بالبجاة، عارفين بلسانهم، وفي ذلك اليوم وصلنا إلى جزيرة سواكن، وهي على نحو ستة أميال من البر، ولا ماء بها ولا زرع ولا شجر، والماء يجلب إليها في القوارب، وفيها صهاريج يجتمع بها ماء المطر، وهي جزيرة كبيرة، وبها لحوم النعام والغزلان وحمر الوحش، والمعزى عندهم كثير والألبان والسمن ومنها يجلب إلى مكة وحبوبهم الجرجور، وهو نوع من الذرة كبير الحب يجلب منها أيضاً إلى مكة.
ذكر سلطانها