The Travels

حكاية
Read with the dictionary

كرامة لهذا الشيخ: رأيت ليلتي تلك، وأنا نائم بسطح الزاوية، كأني على جناح طائر عظيم يطير بي في سمت القبلة. يتيامن ثم يشرق، ثم يذهب في ناحية الجنوب، ثم يبعد الطيران في ناحية الشرق، وينزل في أرض مظلمة خضراء، ويتركني بها. فعجبت من هذه الرؤيا، وقلت في نفسي: إن كاشفني الشيخ برؤياي فهو كما يحكى عنه. فلما غدوت لصلاة الصبح قدمني إماماً لها. ثم أتاه الأمير يلملك فوادعه وانصرف. ووادعه من كان هناك من الزوار وانصرفوا أجمعين من بعد أن زودهم كعيكات صغاراً. ثم سبحت سبحة الضحى. ودعاني وكاشفني برؤياي، فقصصتها عليه فقال سوف تحج وتزور النبي صلى الله عليه وسلم، وتجول في بلاد اليمن والعراق وبلاد الترك، وتبقى بها مدة طويلة، وستلقى به دلشاد الهندي، ويخلصك ممن شدة تقع فيها. ثم زودني كعيكات ودراهم ووادعته وانصرفت. ومنذ فارقته لم ألق في أسفاري إلا خيراً، وظهرت علي بركاته. ثم لم ألق فيمن لقيته مثله إلا الولي سيدي محمداً الموله بأرض الهند. ثم رحلنا إلى مدينة النحرارية، وهي رحبة الفناء، حديثة البناء، أسواقها حسنة الرؤية، " وضبطها بفتح النون وحاء مهمل مسكن وراءين " ، وأميرها كبير القدر يعرف بالسعدي، وولده في خدمة ملك الهند، وسنذكره. وقاضيها صدر الدين سليمان المالكي من كبار المالكية سفر عن الملك الناصر إلى العراق، وولي قضاء البلاد الغربية، وله هيئة جميلة وصورة حسنة. وخطيبها شرف الدين السخاوي من الصالحين. ورحلت منها إلى مدينة أبيار، وهي قديمة البناء، أرجة الأرجاء كثيرة المساجد، ذات حسن زائد " وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان الباء الموحدة وياء آخر الحروف والف وراء " ، وهي بمقربة من النحرارية. ويفصل بينها النيل وتصنع بأبيار ثياب حسان تعلو قيمتها بالشام والعراق ومصر وغيرها. ومن الغريب قرب النحرارية منها. والثياب التي تصنع بها غير معتبرة ولا مستحسنة عند أهلها. ولقيت بأبيار قاضيها عز الدين المليجي الشافعي، وهو كريم الشمائل كبير القدر. حضرت عنده مرة يوم الركبة، وهم يسمون ذلك يوم ارتقاب هلال رمضان. وعادتهم فيه أن يجتمع فقهاء المدينة ووجوهها بعد العصر من اليوم التاسع والعشرين لشعبان بدار القاضي، ويقف على الباب نقيب المتعممين، وهو ذو شارة وهيئة حسنة. فإذا أتى أحد الفقهاء أو الوجوه، تلقاه ذلك النقيب، ومشى بين يديه قائلاً: بسم الله، سيدنا فلان الدين فيسمع القاضي ومن معه فيقومون له ويجلسه النقيب في موضع يليق به. فإذا تكاملوا هنالك، ركب القاضي وركب من معه أجمعون، وتبعهم جميع من بالمدينة من الرجال والنساء والصبيان وينتهون إلى موضع مرتفع خارج المدينة، وهو مرتقب الهلال عندهم، وقد فرش ذلك الموضع بالبسط والفرش، فينزل فيه القاضي ومن معه فيرتقبون الهلال، ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب وبين أيديهم الشمع والمشاعل والفوانيس. ويوقد أهل الحوانيت بحوانيتهم الشمع، ويصل الناس مع القاضي إلى داره، ثم ينصرفون هكذا فعلهم في كل سنة. ثم توجهت إلى مدينة المحلة الكبيرة وهي جليلة المقدار، حسنة الآثار، كثير أهلها، جامع بالمحاسن شملها، واسمها بيّن. ولهذه المدينة قاضي القضاة ووالي الولاة وكان قاضي قضاتها أيام وصولي اليها في فراش المرض ببستان له على مسافة فرسخين من البلد، وهو عز الدين بن الأشمرين، فقصدت زيارته صحبة نائبه الفقيه أبي القاسم ابن بنون المالكي التونسي، وشرف الدين الدميري قاضي محلة منوف. وأقمنا عنده يوماً، وسمعت منه، وقد جرى ذكر الصالحين أن على مسيرة يوم من المحلة الكبيرة بلاد البرلس ونسترو، وهي بلاد الصالحين، وبها قبر الشيخ مرزوق صاحب المكاشفات. فقصدت تلك البلاد، ونزلت بزاوية الشيخ المذكور وتلك البلاد كثيرة النخل والثمار والطير البحري والحوت المعروف بالبوري ومدينتهم تسمى ملطين ، وهي على ساحل البحيرة المجتمعة من ماء النيل وماء البحر المعروفة ببحيرة تنيس . ونسترو بمقربة منها. نزلت هنالك بزاوية الشيخ شمس الدين القلوي من الصالحين، وكانت تنيس بلداً عظيماً شهيراً، وهي الآن خراب. قال ابن جزي " تنيس بكسر التاء المثناة والنون المشددة وياء وسين مهمل " ، وإليه ينسب الشاعر المجيد أبو الفتح ابن وكيع، وهو القائل في خليجها:

قم فاسقني والخليج مضطرب ... والريح تثني ذوائب القصب

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account