كأنها والرياح تعطفها ... صب قنا سندسية العذب
والجو في حلة ممسّكة ... قد طرّزتها البروق بالذهب
" ونسترو بفتح النون واسكان السين وراء مفتوحة وواو مسكن " ، والبرلّس بباء موحدة وراء وآخره سين مهملة، وقيده بعضهم بضم حروفه الأول الثلاث وتشديد اللام . وقيده أبو بكر بن نقطة بفتح الأولين - وهو على البحر ومن غريب ما اتفق به ما حكاه أبو عبد الله الرازي عن أبيه أن قاضي البرلس، وكان رجلا صالحاً، خرج ليلة إلى النيل. فبينما اسبغ الوضوء، وصلى ما شاء الله أن يصلي، إذ سمع قائلاً يقول:
لولا رجال لهم سرد يصومونا ... وآخرون لهم ورد يقومونا
لزلزلت أرضكم من تحتكم سحراً ... لأنكم قوم سوء لا تبالونا
قال: فتجوزت في صلاتي، وأدرت طرفي، فما رأيت أحداً، ولا سمعت حساً، فعلمت أن ذلك زاجر من الله تعالى. ثم سافرت في أرض رملة إلى مدينة دمياط. وهي مدينة فسيحة الأقطار، متنوعة الثمار، عجيبة الترتيب، آخذة من كل حسن بنصيب والناس يضبطون اسمها بإعجام الذال. وكذلك ضبطه الإمام أبو محمد عبد الله بن علي الرشاطي. وكان شرف الدين الإمام العلامة أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي إمام المحدّثين يضبطها بإهمال الدال، ويتبع ذلك بأن يقول خلاف الرشاطي وغيره. وهو أعرف بضبط اسم بلده. ومدينة دمياط على شاطىء النيل، وأهل الدور الموالية يستقون منه الماء بالدلاء وكثير من دورها بها دركات ينزل فيها إلى النيل. وشجر الموز بها كثير، يحمل ثمره إلى مصر في المراكب. وغنمها سائمة هملاً بالليل والنهار. ولهذا يقال في دمياط: سورها حلوى، وكلابها غنم. وإذا دخلها أحد، لم يكن له سبيل إلى الخروج عنها إلا بطابع الوالي فمن كان من الناس معتبراً، طبع له في قطعة كاغد، يستظهر به لحراس بابها. وغيرهم يطبع على ذراعه، فيستظهر به. والطير البحري بهذه المدينة كثير، متناهي السمن. وبها الألبان الجاموسية التي لا مثل لها في عذوبة الطعم وطيب المذاق. وبها الحوت البوري يحمل منها إلى الشام وبلاد الروم ومصر. وبخارجها جزيرة بين البحرين والنيل تسمى البرزخ. بها مسجد وزاوية، لقيت بها شيخها المعروف بابن قفل، وحضرت عنده ليلة جمعة ومعه جماعة من الفقراء الفضلاء المتعبدين الأخيار. قطعوا ليلتهم صلاة وقراءة وذكراً. ودمياط هذه حديثة البناء والمدينة القديمة هي التي خربها الإفرنج على عهد الملك الصالح. وبها زاوية الشيخ جمال الدين الساوي، قدوة الطائفة المعروفة بالقلندرية ، وهم الذين يحلقون لحاهم وحواجبهم. ويسكن الزاوية في هذا العهد الشيخ فتح التكروري.
حكاية
يذكر أن السبب الداعي للشيخ جمال الدين الساوي إلى حلق لحيته وحاجبيه أنه كان جميل الصورة حسن الوجه فعلقت به امرأة من أهل ساوة، وكانت تراسله وتعارضه في الطرق وتدعوه لنفسها، وهو يمتنع ويتهاون، فلما أعياها أمره دست له عجوزاً تصدت له إزاء دار على طريقه إلى المسجد، وبيدها كتاب مختوم. فلما مر بها قالت له: يا سيدي أتحسن القراءة ؟ قال: نعم. قالت له: الكتاب وجهه إليّ ولدي، وأحب أن تقرأه علي. فقال لها، نعم. فلما فتح الكتاب، قالت له: يا سيدي إن لولدي زوجة، وهي بأسطوان الدار، فلو تفضلت بقراءته بين بابي الدار بحيث تسمعها. فأجابها لذلك. فلما توسط بين البابين غلقت العجوز الباب، وأخرجت المرأة حواريّها فتعلقن به. وأدخلنه إلى داخل الدار. وراودته المرأة عن نفسه، فلما رأى أن لا خلاص له، قال لها: إني حيث تريدين. فأريني بيت الخلاء. فأرته إياه. فأدخل معه الماء. وكانت عنده موسى جديدة، فحلق لحيته وحاجيبه، وخرج عليها، فاستقبحت هيئته، واستنكرت فعله، وأمرت بإخراجه وعصمه الله بذلك، فبقى على هيئته فيما بعد، وصار كل من يسلك طريقته أن يحلق رأسه ولحيته و حاجبيه.