وهو السلطان المجاهد نور الدين علي ابن السلطان المؤيد هزبر الدين داود ابن السلطان المظفر يوسف بن علي بن رسول، شهر جده برسول لأن أحد خلفاء بني العباس أرسله إلى اليمن ليكون بها أميراً، ثم استقل أولاده بالملك وله ترتيب عجيب في قعوده وركوبه. وكنت لما وصلت هذه المدينة مع الفقير الذي يعثه الشيخ الفقيه أبو الحسن الزيلعي في صحبتي قصد بي إلى قاضي القضاة الإمام المحدث صفي الدين الطبري المكي، فسلمنا عليه ورحب بنا وأقمنا بداره في ضيافته ثلاثاً. فلما كان اليوم الرابع وهو يوم الخميس وفيه يجلس السلطان لعامة الناس، دخل بي عليه فسلمت عليه، وكيفية السلام عليه أن يمس الإنسان الأرض بسبابته، ثم يرفعها إلى رأسه، ويقول: أدام الله عزك. ففعلت كمثل ما فعله القاضي عن يمين الملك، وأمرني فقعدت بين يديه. فسألني عن بلادي وعن مولانا أمير المسلمين جواد الأجواد أبي سعيد رضي الله عنه، وعن ملك مصر وملك العراق وملك اللور، فأجبته عما سأل من أحوالهم، وكان وزيره بين يديه، فأمره بإكرامي وإنزالي. وترتيب قعود هذا الملك أنه يجلس فوق دكانه مفروشة مزينة بثياب الحرير، وعن يمينه ويساره أهل السلاح، ويليه منهم أصحاب السيوف والدرق، ويليهم أصحاب القسي، وبين أيديهم في الميمنة والميسرة الحاجب وأرباب الدولة وكاتب السر وأمير جندار على رأسه، والشاويشية، وهم من الجنادرة وقوف على بعد. فإذا قعد السلطان صاحوا صيحة وحدة: بسم الله. فإذا قاموا فعلوا مثل ذلك، فيعلم جميع من بالمشور وقت قيامه ووقت قعوده. فإذا استوى قاعداً كل من عادته أن يسلم عليه فسلم ووقف حيث رسم له في الميمنة أو الميسرة، لا يتعدى أحد موضعه، ولا يقعد إلا من أمر بالقعود. يقول السلطان للأمير جندار مر فلاناً يقعد، فيتقدم ذلك المأمور بالقعود عن موقفه قليلاً، ويقعد على بساط هناك بين أيدي القائمين في الميمنة والميسرة، ثم يؤتى بالطعام، وهو طعامان طعام العامة وطعام الخاصة. فأما الطعام الخاص فيأكل منه السلطان وقاضي القضاة والكبار من الشرفاء ومن الفقهاء والضيوف، وأما الطعام العام فيأكل منه سائر الشرفاء والفقهاء والقضاة والمشايخ والأمراء ووجوه الأجناد. ومجلس كل إنسان للطعام معين لا يتعداه ولا يزاحم أحد منهم أحداً. وعلى مثل هذا الترتيب سواء هو ترتيب ملك الهند في طعامه. فلا أعلم أن سلاطين الهند أخذوا ذلك عن سلاطين اليمن أم سلاطين اليمن أخذوه عن سلاطين الهند. وأقمت في ضيافة سلطان اليمن أياماً، وأحسن إلي وأركبني، وانصرفت مسافراً إلى مدينة صنعاء، وهي قاعدة بلاد اليمن الأولى. مدينة كبيرة حسنة العمارة، بناؤها بالآجر والجص، كثيرة الأشجار والفواكه والزرع، معتدلة الهواء طيبة الماء ومن الغريب أن المطر ببلاد الهند واليمن والحبشة إنما ينزل في أيام القيظ، وأكثر ما يكون نزوله بعد الظهر من كل يوم في ذلك الأوان. فالمسافرون عند الزوال لئلا يصيبهم المطر وأهل المدينة ينصرفون إلى منازلهم لأن أمطارها وابلة متدفقة، والمدينة مفروشة كلها. فإذا نزل المطر غسل جميع أزقتها وأنقاها. وجامع صنعاء من أحسن الجوامع، وفيه قبر نبي من الأنبياء عليهم السلام. ثم سافرت منها إلى مدينة عدن، مرسى بلاد اليمن، على ساحل البحر الأعظم. والجبال تحف بها ولا مدخل إليها إلا من جانب واحد؛ وهي مدينة كبيرة، ولا زرع بها ولا شجر ولا ماء، وبها صهاريج يجتمع فيها الماء أيام المطر. والماء على بعد منها، فربما منعته العرب وحالوا بين أهل المدينة وبينه حتى يصانعونهم بالمال والثياب. وهي شديدة الحر. وهي مرسى أهل الهند. تأتي إليها المراكب العظيمة من كنبايت وتانه وكولم وقالقوط وفندراينه والشاليات ومنجرور وفاكنور وهنور وسندابور وغيرها، وتجار الهند ساكنون بها، وتجار مصر أيضاً. وأهل عدن ما بين تجار وحمالين وصيادين للسمك. وللتجار منهم أموال عريضة، وربما يكون لأحدهم المركب العظيم بجميع ما فيه لا يشاركه فيه غيره لسعة ما بين يديه من الأموال، ولهم في ذلك تفاخر ومباهاة.
حكاية