The Travels

ذكر سلطان مقديشو
Read with the dictionary

ذكر لي أن بعضهم بعث غلاماً له ليشتري له كبشاً، وبعث آخر منهم غلاماً له برسم ذلك أيضاً، فاتفق أنه لم يكن بالسوق في ذلك اليوم إلا كبش واحد. فوقعت المزايدة فيه بين الغلامين، فأنهى ثمنه إلى أربعمائة دينار. فأخذه أحدهما وقال: إن رأس مالي أربعمائة دينار، فإن أعطاني مولاي ثمنه فحسن، وإلا دفعت فيه رأس مالي ونصرت نفسي وغلبت صاحبي، وذهب الكبش إلى سيده بالقضية أعتقه وأعطاه ألف دينار، وعاد الآخر إلى سيدة خائباً فضربه وأخذ ماله ونفاه عنه. ونزلت في عدن عند تاجر يعرف بناصر الدين الفأري. فكان يحضر طعامه كل ليلة نحو عشرين من التجار. وله غلمان وخدام أكثر من ذلك. مع هذا كله فهم أهل دين وتواضع وصلاح ومكارم أخلاق، يحسنون إلى الغريب ويؤثرون الفقير ويعطون حق الله من الزكاة على ما يجب، ولقيت بهذه المدينة قاضيها الصالح سالم بن عبد الله الهندي، وكان والده من العبيد الحمالين. واشتغل ابنه بالعلم، فرأس وساد. وهو من خيار القضاة وفضلائهم. أقمت في ضيافته أياماً، وسافرت من مدينة عدن في البحر أربعة أيام، ووصلت إلى مدينة زيلع وهي مدينة البرابرة، وهم طائفة من السودان شافعية المذهب، وبلادهم صحراء مسيرة شهرين. أولها زيلع، وآخرها مقدشو. ومواشيهم الجمال، وهي أغنام مشهورة السمن. وأهل زيلع سود الألوان، وأكثرهم رافضة. وهي مدينة كبيرة لها سوق عظيمة، إلا أنها أقذر مدينة في المعمور وأوحشها وأكثرها نتناً. وسبب نتنها كثرة سمكها ودماء الإبل التي ينحرونها في الأزقة. ولما وصلنا إليها اخترنا المبيت بالبحر على شدة هوله، ولم نبت بها لقذرها. ثم سافرنا منها في البحر خمس عشرة ليلة ووصلنا مقدشو " وضبط اسمها بفتح الميم وإسكان القاف وفتح الدال المهمل والشين المعجم وإسكان الواو " ، وهي مدينة متناهية في الكبر، وأهلها لهم جمال كثيرة ينحرون منها المئين في كل يوم. ولهم أغنام كثيرة، وأهلها تجار أقوياء، وبها تصنع الثياب المنسوبة إليها التي لا نظير لها. ومنه تحمل إلى ديار مصر وغيرها. ومن عادة أهل هذه المدينة أنه متى وصل مركب إلى المرسى تصعد الصنابق، وهي القوارب الصغار إليه. ويكون في كل صنبوق جماعة من شبان أهلها، فيأتي كل واحد منهم بطبق مغطى فيه الطعام، فيقدمه لتاجر من تجار المركب، ويقول: هذا نزيلي. وكذلك يفعل كل واحد منهم. ولا ينزل التاجر من المركب إلا إلى دار نزيله من هؤلاء الشبان إلا ما كان كثير التردد إلى البلد، وحصلت له معرفة أهله، فإنه ينزل حيث شاء. فإذا نزل عند نزيله باع له ما عنده واشترى له، ومن اشترى منه ببخس أو باع منه بغير حضور نزيله، فذلك البيع مردود عندهم. ولهم منتفعة في ذلك. ولما صعد الشبان إلى المركب الذي كنت فيه جاء إلي بعضهم فقال له أصحابي: ليس هذا بتاجر، وإنما هو فقيه. فصاح بأصحابه وقال لهم: هذا نزيل القاضي، وكان فيها أحد أصحاب القاضي فعرفه بذلك، فأتى إلى ساحل البحر في جملة من الطلبة، وبعث إلي أحدهم. فنزلت أنا وأصحابي وسلمت على القاضي وأصحابه، وقال لي: بسم الله نتوجه للسلام على الشيخ. فقلت: ومن الشيخ ؟ فقال: السلطان. وعادتهم أن يقولوا للسلطان الشيخ. فقلت له: إذا نزلت توجهت إليه. فقال لي: إن العادة إذا جاء الفقيه أو الشريف أو الرجل الصالح لا ينزل حتى يرى السلطان فذهبت معهم إليه كما طلبوا.

ذكر سلطان مقديشو

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account