فلما كان اليوم الرابع، وهو يوم الجمعة، جاءني القاضي والطلبة وأحد وزراء الشيخ، وأتوني بكسوة. وكسوتهم فوطة خز يشدها الإنسان في وسطه عوض السراويل، فإنهم لا يعرفونها، ودراعة من المقطع المصري معلمة، وفرجية من القدسي مبطنة، وعمامة مصرية معلمة. وأتوا لأصحابي بكسى تناسبهم. وأتينا الجامع. فصلينا خلف المقصورة. فلما خرج الشيخ من باب المقصورة، سلمت عليه مع القاضي فرحب وتكلم بلسانهم مع القاضي، ثم قال باللسان العربي: قدمت خير مقدم وشرفت بلادنا وآنستنا. وخرج إلى صحن المسجد فوقف على قبر والده، وهو مدفون هنالك، فقرأ ودعا. ثم جاء الأمراء والوزراء ووجوه الأجناد فسلموا. وعادتهم في السلام كعادة أهل اليمن. يضع سبابته في الأرض ثم يجعلها على رأسه، ويقول: أدام الله عزك. ثم خرج الشيخ من باب المسجد، فلبس نعليه، وأمر القاضي أن ينتعل، وأمرني أن أنتعل، وتوجه إلى منزله ماشياً، وهو بالقرب من المسجد، ومشى الناس كلهم حفاة. ورفعت فوق رأسه أربع قباب من الحرير الملون، وعلى أعلى كل قبة صورة طائر من ذهب. وكان لباسه في ذلك اليوم فرجية قدسي أخضر، وتحتها من ثياب مصر وطروحاتها الحسان. وهو متقلد بفوطة حرير. وهو معتم بعمامة كبيرة. وضربت بين يديه الطبول والأبواق والأنفار. وأمراء الأجناد أمامه وخلف. والقاضي والفقهاء والشرفاء معه. ودخل إلى مشوره على تلك الهيئة. وقعد الوزراء والأمراء ووجوه الأجناد في سقيفة هنالك. وفرش للقاضي بساط لا يجلس معه غيره عليه، والفقهاء والشرفاء معه. ولم يزالوا كذلك إلى صلاة العصر. فلما صلوا العصر مع الشيخ، أتى جميع الأجناد، ووقفوا صفوفاً على قدر مراتبهم. ثم ضربت الأطبال والأنفار والأبواق والصرنايات، وعند ضربها لا يتحرك أحد، ولا يتزحزح من مقامه، ومن كان ماشياً وقف، فلم يتحرك إلى خلف ولا إلى أمام، فإذا فرغ من ضرب الطبلخانة سلموا بأصابعهم كما ذكرناه، وانصرفوا. وتلك عادة لهم في كل يوم جمعة. وإذا كان يوم السبت يأتي الناس إلى باب الشيخ فيقعدون في سقائف خارج الدار، ويدخل القاضي والفقهاء والصالحون والمشايخ والحجاج إلى المشور الثاني، فيقعدون على دكاكين خشب معدة لذلك، ويكون القاضي على دكانه وحده، وكل صنف على دكانه تخصهم، لا يشاركهم فيها سواهم. ثم يجلس الشيخ بمجلسه، ويبعث إلى القاضي فيجلس عن يساره، ثم يدخل الفقهاء فيقعد كبراؤهم بين يديه، وسائرهم يسلمون وينصرفون، ثم يدخل الشرفاء، فيقعد كبراؤهم بين يديه، ويسلم سائرهم وينصرفون. وإن كانوا ضيوفاً جلسوا عن يمينه، ثم يدخل المشايخ والحجاج، فيجلس كبراؤهم ويسلم سائرهم وينصرفون. ثم يدخل الوزراء ثم الأمراء ثم وجوه الأجناد، طائفة بعد طائفة أخرى، فيسلمون وينصرفون. ويؤتى بالطعام، فيأكل بين يدي الشيخ القاضي والشرفاء ومن كان قاعداً بالمجلس، ويأكل الشيخ معهم. وإن أراد تشريف أحد من كبار أمرائه بعث إليه فأكل معهم. ويأكل سائر الناس بدار الطعام، وأكلهم على ترتيب مثل ترتيبهم في الدخول على الشيخ. ثم يدخل الشيخ إلى داره، ويقصد القاضي والوزراء وكاتب السر وأربعة من كبار الأمراء للفصل بين الناس وأهل الشكايات، فما كان متعلقاً بالأحكام الشرعية حكم فيه القاضي، وما كان من سوى ذلك حكم فيه أهل الشورى، وهم الوزراء والأمراء. وما كان مفتقراً إلى مشاورة السلطان كتبوا إليه، فيخرج لهم الجواب من حينه على ظهر البطاقة بما يقتضيه نظره وتلك عادتهم.
The Travels
ذكر سلطان مقديشوHover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.