ثم ركبت من مدينة مقديشو متوجهاً إلى بلاد السواحل قاصداً مدينة كلوا من بلاد الزنوج. فوصلنا إلى جزيرة منبسى " وضبط اسمها ميم مفتوح ونون مسكن وباء موحدة مفتوحة وسين مهمل مفتوح وياء " ، وهي كبيرة، بينها وبين أرض السواحل مسيرة يومين في البحر. ولا بر لها. وأشجارها: الموز والليمون والأترج. ولهم فاكهة يسمونها الجمون، وهي شبه الزيتون، ولها نوى كنواه، إلا أنها شديدة الحلاوة. ولا زرع عند أهل هذه الجزيرة، وإنما يجلب اليهم من السواحل. وأكثر طعامهم الموز والسمك. وهم شافعية المذهب أهل دين وعفاف وصلاح، ومساجدهم من الخشب محكمة الإتقان، وعلى كل باب من أبواب المساجد البئر والثنتان. وعمق آبارهم ذراع أو ذراعان، فيستقون منها الماء بقدح خشب، قد غرز فيه عود رقيق في طول الذراع. والأرض حول البئر والمسجد مسطحة، فمن أراد دخول المسجد غسل رجليه ودخل. ويكون على بابه قطعة حصير غليظ يمسح بها رجليه. ومن أراد الوضوء أمسك القدح بين فخذيه وصب على يديه. ويتوضأ. وجميع الناس يمشون حفاة الأقدام. وبتنا بهذه الجزيرة ليلة، وركبنا البحر إلى مدينة كلوا " وضبط اسمها بضم الكاف واسكان اللام وفتح الواو " ، وهي مدينة عظيمة ساحلية، وأكثر أهلها الزنوج المستحكمو السواد. ولهم شرطات في وجوههم، كما هي في وجوه الليميين من جنادة. وذكر لي بعض التجار أن مدينة سفالة على مسيرة نصف شهر من مدينة كلوا، وأن بين سفالة ويوفي من بلاد الليميين مسيرة شهر، ومن يوفي يؤتى بالتبر إلى سفالة. ومدينة كلوا من أحسن المدن وأتقنها عمارة، وكلها بالخشب. وسقف بيوتها الديس. والأمطار بها كثيرة. وهم أهل جهاد لأنهم في بر واحد مع كفار الزنوج. والغالب عليهم الدين والصلاح، وهم شافعية المذهب.
ذكر سلطان كلوا
وكان سلطانها في عهد دخولي إليها أبو المظفر حسن. ويكنى أيضاً أبا المواهب، لكثرة مواهبه ومكارمه. وكان كثير الغزو إلى أرض الزنوج، يغير عليهم ويأخذ الغنائم، فيخرج خمسها ويصرفه في مصارفه المعينة في كتاب الله تعالى، ويجعل نصيب ذوي القربى في خزانة على حدة. فإذا جاءه الشرفاء دفعه إليهم. وكان الشرفاء يقصدونه من العراق والحجاز وسواها. ورأيت عنده من شرفاء الحجاز جماعة منهم محمد بن جماز ومنصور بن لبيدة ابن أبي نمي ومحمد بن شميلة ابن أبي نمي. ولقيت بمقديشو أتيل بن كيش بن جماز، وهو يريد القدوم عليه. وهذا السلطان له تواضع شديد، ويجلس مع الفقراء ويأكل معهم، ويعظم أهل الدين والشرف.
حكاية من مكارمه
حضرته يوم جمعة وقد خرج من الصلاة قاصداً إلى داره، فتعرض له أحد الفقراء اليمنيين فقال له: أبا المواهب، فقال: لبيك يا فقير ما حاجتك ؟ قال: أعطني هذه الثياب التي عليك. فقال له: نعم، أعطيكها. قال: الساعة، قال: نعم، الساعة. فرجع إلى المسجد ودخل بيت الخطيب فلبس ثياباً سواها، وخلع تلك الثياب، وقال للفقير: أدخل فخذها، فدخل الفقير وأخذها وربطها في منديل وجعلها فوق رأسه وانصرف. فعظم شكر الناس للسلطان على ما ظهر من تواضعه وكرمه، وأخذ ابنه ولي عهده تلك الكسوة من الفقير وعوضه عنها بعشرة من العبيد. وبلغ السلطان ما كان من شكر الناس له على ذلك فأمر للفقير أيضاً بعشرة رؤوس من الرقيق وحملين من العاج. ومعظم عطاياهم من العاج، وقلما يعطون الذهب.
ولما توفي هذا السلطان الفاضل الكريم رحمة الله عليه، ولي أخوه داود. فكان على الضد، إذا أتاه سائل يقول له: مات الذي كان يعطي، ولم يترك من بعده ما يعطي. ويقيم الوفود عنده الشهود الكثيرة، وحينئذ يعطيهم القليل، حتى انقطع الوافدون عن بابه.
وركبنا البحر من كلوا إلى مدينة ظفار الحموض " وضبط اسمها بفتح الظاء المعجم والفاء وآخره راء مبنية على الكسر " ، وهي آخر بلاد اليمن على ساحل البحر الهندي، ومنها تحمل الخيل العتاق إلى الهند. ويقطع البحر فيما بينها وبين بلاد الهند مع مساعدة الريح في شهر كامل، قد قطعته مرة في قالقوط من بلاد الهند إلى ظفار في ثمانية وعشرين يوماً بالريح، ولم ينقطع لنا جري بالليل ولا بالنهار. وبين ظفار وعدن في البر مسيرة شهر في صحراء. وبينها وبين حضرموت ستة عشر يوماً، وبينها وبين عمان عشرون يوماً.