وفي الأيام التي كنت بها استجار بها كاتب السلطان، وأقام فيها حتى وقع بينهما الصلح. أتيت هذه الزاوية، فبت بها في ضيافة الشيخين أبي العباس أحمد وأبي عبد الله محمد ابني الشيخ أبي بكر المذكور، وشاهدت لهما فضلاً عظيماً، ولما غسلنا أيدينا من الطعام أخذ أبو العباس منهما ذلك الماء الذي غسلنا به فشرب منه، وبعث الخادم بباقيه إلى أهله وأولاده فشربوه. وكذلك يفعلون بمن يتوسمون فيه الخير من الواردين عليهم. وكذلك أضافني قاضيها الصالح أبو هاشم عبد الله الزبيدي، وكان يتولى خدمتي وغسل يدي بنفسه، ولا يكل ذلك إلى غيره. وبمقربة من هذه الزاوية تربة سلف السلطان الملك المغيث، وهي معظمة عندهم، ويستجير بها من طلب حاجة، فتقضى له. ومن عادة الجند أنه إذا تم الشهر ولم يأخذوا أرزاقهم، استجار بهذه التربة، وأقاموا في جوارها إلى أن يعطوا أرزاقهم.
وعلى مسيرة نصف يوم من هذه المدينة الأحقاف، وهي منازل عاد. وهنالك زاوية ومسجد على ساحل البحر، وحوله قرية لصيادي السمك. وفي الزاوية قبر مكتوب عليه: هذا قبر هود بن عابر عليه أفضل الصلاة والسلام. وقد ذكرت أن بمسجد دمشق موضعاً مكتوب عليه: هذا قبر هود بن عابر. والأشبه أن يكون قبره بالأحقاف لأنها بلاده، والله أعلم. ولهذه المدينة بساتين فيها موز كثير كبير الجرم. وزنت بمحضري حبة منه فكان وزنها اثنتي عشرة أوقية. وهو طيب المطعم شديد الحلاوة. وبها أيضاً التنبول والنارجيل المعروف بجوز الهند، ولا يكونان إلا ببلاد الهند، وبمدينة ظفار هذه، لشبهها بالهند وقربها منه؛ اللهم إلا أن في مدينة زبيد، في بستان السلطان شجيرات من النارجيل. وإذ قد وقع ذكر التنبول و النارجيل، فلنذكرهما، ولنذكر خصائصهما.
ذكر التنبول
والتنبول شجر يغرس كما تغرس دوالي العنب، ويصنع له معرشات من القصب، كما تصنع لدوالي العنب، أو يغرس في مجاورة النارجيل، فيصعد فيها كما تصعد الدوالي، وكما يصعد الفلفل. ولا ثمر للتنبول. وإنما المقصود منه ورقه، وهو يشبه ورق العليق. وأطيبه الأصفر. وتجنى أوراقه في كل يوم. وأهل الهند يعظمون التنبول تعظيماً شديداً، وإذا أتى الرجل دار صاحبه فأعطاه خمس ورقات منه، فكأنما أعطاه الدنيا وما فيها، لا سيما إن كان أميراً أو كبيراً. وإعطاؤه عندهم أعظم شأناً وأدل على الكرامة من إعطاء الفضة والذهب. وكيفية استعماله أن يؤخذ قبله الفوفل، وهو شبه جوز الطيب، فيكسر حتى يصير أطرافاً صغاراً، ويجعله الإنسان في فمه ويعلكه، ثم يأخذ ورق التنبول، فيجعل عليها شيئاً من النورة ويمضغها مع الفوفل. وخاصيته أنه طيب النكهة، ويذهب بروائح الفم، ويهضم الطعام، ويقطع ضرر شرب الماء على الريق، ويفرح آكله، ويعين على الجماع. ويجعله الإنسان عند رأسه ليلاً فإذا استيقظ من نومه، أو أيقظته زوجته أو جاريته أخذ منه، فيذهب بما في فمه من رائحة كريه. ولقد ذكر لي أن جواري السلطان والأمراء ببلاد الهند لا يأكلن غيره، وسنذكره عند ذكر بلاد الهند.
ذكر النارجيل