وهو السلطان المكرم سليمان بادشاه " واسمه بباء معقود وألف ودال مسكن " ، وهو كبير السن ينيف على سبعين سنة، حسن الوجه طويل اللحية صاحب وقار وهيبة، يجالسه الفقهاء والصلحاء. دخلت عليه بمجلسه فأجلسني إلى جانبه وسألني عن حالي ومقدمي وعن الحرمين الشريفين ومصر والشام فأجبته، وأمر بإنزالي على قرب منه، وأعطاني ذلك اليوم فرساً عتيقاً قرطاسي اللون وكسوة، وعين لي نفقة وعلفاً، وأمر لي بعد ذلك بقمح وشعير نفذ لي في قرية من قرى المدينة، على مسيرة نصف يوم منها، فلم أجد من يشتريه، لرخص الأسعار، فأعطيته للحاج الذي كان في صحبتنا. ومن عادة هذا السلطان أن يجلس كل يوم بمجلسه، بعد صلاة العصر، ويؤتى بالطعام فتفتح الأبواب، ولا يمنع أحد من حضري أو بدوي أو غريب أو مسافر من الأكل. ويجلس في أول النهار جلوساً خاصاً، ويأتي ابنه فيقبل يديه، وينصرف إلى مجلس له ويأتي أرباب الدولة فيأكلون عنده وينصرفون. ومن عادته في يوم الجمعة أن يركب إلى المسجد، وهو بعيد عن داره. والمسجد المذكور هو ثلاث طبقات من الخشب. فيصلي السلطان وأرباب دولته والقاضي والفقهاء ووجوه الأجناد في الطبقة السفلى، ويصلي الأفندي، وهو أخو السلطان وأصحابه وأخدامه وبعض أهل المدينة في الطبقة الوسطى، ويصلي ابن السلطان ولي عهده وهو أصغر أولاده، ويسمى الجواد، وأصحابه ومماليكه وخدامه وسائر الناس في الطبقة العليا، ويجتمع القراء فيقعدون حلقة أمام المحراب، ويقعد معهم الخطيب والقاضي. ويكون السلطان بإزاء المحراب. ويقرأون سورة الكهف بأصوات حسان، ويكررون الآيات بترتيب عجيب. فإذا فرغوا من قراءتها صعد الخطيب المنبر فخطب ثم صلى، فإذا فرغوا من الصلاة تنفلوا وقرأ القارئ بين يدي السلطان عشراً، وانصرف السلطان ومن معه. ثم يقرأ القارئ بين يدي أخي السلطان، فإذا أتم قراءته انصرف هو ومن معه، ثم يقرأ القارئ بين يدي ابن السلطان، فإذا فرغ من قراءته قام المعرف، وهو المذكر، فيمدح السلطان بشعر تركي ويمدح ابنه ويدعو لهما وينصرف. ويأتي ابن الملك إلى دار أبيه بعد أن يقبل يد عمه في طريقه واقفاً في انتظاره، ثم يدخلان إلى السلطان فيتقدم اخوه ويقبل يده ويجلس بين يديه، ثم يأتي ابنه فيقبل يده وينصرف إلى مجلسه فيقعد به مع ناسه. فإذا حانت صلاة العصر صلوها جميعاً. وقبل أخو السلطان يده، وانصرف عنه فلا يعود إليه إلا في الجمعة الأخرى. وأما الولد فإنه يأتي كل يوم غدوة كما ذكرناه. ثم سافرنا من هذه المدينة ونزلنا في زاوية عظيمة بإحدى القرى من أحسن زاوية رأيتها في تلك البلاد، بناها أمير كبير تاب إلى الله تعالى يسمى فخر الدين، وجعل النظر فيها لولده، والإشراف لمن أقام بالزاوية من الفقراء. وفوائد القرية وقف عليها. وبنى بإزاء الزاوية حماماً للسبيل يدخله الوارد والصادر من غير شيء يلزمه، وبنى سوقاً بالقرية ووقفه على المسجد الجامع. وعين من أوقاف هذه الزاوية لكل فقير يرد من الحرمين الشريفين أو من الشام ومصر والعراقين وخراسان وسواهما كسوة كاملة ومائة درهم يوم قدومه، وثلاثمائة درهم يوم سفره. والنفقه أيام مقامه وهي الخبز واللحم والأرز المطبوخ بالسمن والحلواء. ولكل فقير من بلاد الروم عشرة دراهم وضيافة ثلاثة أيام، ثم انصرفنا وبتنا ليلة ثانية بزاوية في جبل شامخ لا عمارة فيه عمرها بعض الفتيان الأخية، ويعرف بنظام الدين من أهل قصطمونية، ووقف عليها قرية ينفق خراجها على الوارد والصادر بهذه الزاوية. وسافرنا من هذه الزاوية إلى مدينة صنوب " وضبط اسمها بفتح الصاد وضم النون وآخره باء " ، وهي مدينة حافلة جمعت بين التحصين والتحسين، يحيط بها البحر من جميع جهاتها إلا واحدة وهي الشرق، ولها هنالك باب واحد لا يدخل إليها أحد إلا بإذن أميرها، وأميرها إبراهيم بك ابن السلطان سليمان بادشاه الذي ذكرناه. ولما استؤذن لنا عليه دخلنا البلد ونزلنا بزاوية عز الدين أخي جلبي، وهي خارج باب البحر، ومن هنالك يصعد إلى جبل داخل في البحر، كميناء سبتة في البساتين والمزارع والمياه،وأكثر فواكهه التين والعنب، وهو جبل مانع لا يستطاع الصعود إليه. وفيه إحدى عشرة قرية يسكنها كحفار الروم تحت ذمة المسلمين. وبأعلاه رابطة تنسب للخضر والياس عليهما السلام، لا تخلو عن متعبد، وعندها عين ماء. والدعاء فيها مستجاب. وبسفح هذه
The Travels
ذكر سلطان قصطمونيةHover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.