ويأتي بعد ذلك كبار الأمراء، فتنصب لهم كراسيهم عن اليمين والشمال وكل إنسان منهم إذا اتى مجلس السلطان، يأتي معه غلام بكرسيه، ويقف بين يدي السلطان أبناء الملوك من بني عمه وإخوته وأقاربه، ويقف مقابلتهم عند باب القبة أولاد الأمراء الكبار، ويقف خلفهم وجوه العساكر عن يمين وعن شمال، ثم يدخل الناس للسلام بالأمثل فالأمثل ثلاثة ثلاثة، فيسلمون وينصرفون، فيجلسون على بعد، فإذا كان بعد صلاة العصر انصرفت الملكة من الخواتين، ثم ينصرف سائرهن، فيتبعها إلى محلتها فإذا دخلت اليها انصرفت كل واحدة إلى محلتها راكبة عربتها، ومع كل واحدة نحو خمسين جارية، راكبات على الخيل وأمام العربات نحو عشرين من قواعد النساء، راكبات على الخيل، فيما بين الفتيان والعربة، وخلف الجميع نحو مائة مملوك من الصبيان، وأمام الفتيان نحو مائة من المماليك الكبار، ركباناً ومثلهم مشاة، بأيديهم القضبان، والسيوف مشدودة على أوساطهم وهم بين الفرسان والفتيان، وهكذا ترتيب كل خاتون منهن في انصرافها ومجيئها. وكان نزولي من المحلة في جوار ولد السلطان جان بك، الذي يقع ذكره فيما بعد وفي الغد من يوم وصولي دخلت إلى السلطان بعد صلاة العصر، وقد جمع المشايخ والقضاة والفقهاء والشرفاء والفقراء، وقد صنع طعاماً كثيراً، وأفطرنا بمحضره وتكلم السيد الشريف نقيب الشرفاء ابن عبد الحميد، والقاضي حمزة في شأني بالخير، وأشاروا على السلطان بإكرامي، وهؤلاء الأتراك لا يعرفون إنزال الوارد ولا إجراء النفقة، وإنما يبعثون له الغنم والخيل للذبح وروايا القمز، وتلك كرامتهم وبعد هذا بأيام صليت صلاة العصر مع السلطان، فلما أردت الانصراف أمرني بالقعود، وجاءوا بالطعام، من المشروبات كما يصنع من الدوقي، ثم باللحوم المسلوقة من الغنم والخيل. وفي تلك الليلة أتيت السلطان بطبق حلواء، فجعل إصبعه عليه وجعله على فيه، ولم يزد على ذلك.
ذكر الخواتين وترتيبهن
وكل خاتون منهن تركب في عربة للبيت، وللبيت الذي تكون فيه قبة من الفضة المموهة بالذهب أو من الخشب المرصع وتكون الخيل التي تجر عربتها مجللة بأثواب الحرير المذهب، وخديم العربة الذي يركب أحد الخيل فتى يدعي القشي، والخاتون قاعدة في عربتها، وعن يمينها امرأة من القواعد تسمى أولو خاتون " بضم الهمزة واللام " ومعنى ذلك الوزيرة وعن شمالها امرأة من القواعد أيضاً تسمى كجك خاتون " بضم الكاف والجيم " ومعنى ذلك الحاجبة، وبين يديها ست من الجواري الصغار، يقال لهن البنات، فائقات الجمال متناهيات الكمال، ومن ورائها اثنتان منهن، تستند إليهن، وعلى رأس الخاتون البغطاق، وهو مثل التاج الصغير مكلل بالجواهر، ولأعلاها ريش الطواويس، وعليها ثياب حرير مرصعة بالجواهر شبه المنوت " الملوطة " التي يلبسها الروم وعلى رأس الوزيرة والحاجبة مقنعة حرير مزركشة الحواشي بالذهب والجوهر، وعلى رأس كل واحدة من البنات الكلا، وهو شبه الأقروف، وفي أعلاها دائرة ذهب مرصعة بالجوهر، وريش الطواويس من فوقها وعلى كل واحدة ثوب من الحرير مذهب يسمى النخ ويكون بين يدي الخاتون عشرة أو خمسة عشر من الفتيان الروميين والهنديين، وقد لبسوا ثياب الحرير المذهب، المرصعة بالجواهر، وبيد كل واحد منهم عمود ذهب أو فضة، أو يكون من عود ملبس بهما وخلف عربة الخاتون نحو مائة عربة في كل عربة الثلاث و الأربع من الجواري الكبار والصغار، وثيابهن الحرير، وعلى رؤوسهن الكلا وخلف هذه العربات نحو ثلاثمائة عربة تجرها الجمال والبقر، وتحمل خزائن الخاتون وأموالها وثيابها وأثاثها وطعامها ومع كل عربة غلام موكل بها متزوج بجارية من الجواري التي ذكرناها فإن العادة عندهن أن لا يدخل بين الجواري من الغلمان إلا من كان له بينهن زوجة وكل خاتون فهي على هذا الترتيب، ولنذكرهن على الانفراد.
ذكر الخاتون الكبرى