فمنهم شمس الدين الأصبهاني إمام الدنيا في المعقولات، ومنهم شرف الدين الزواوي المالكي، ومنهم برهان الدين ابن بنت الشاذلي نائب قاضي القضاة بجامع الصالح، ومنهم ركن الدين بن القوبع التونسي من الأئمة في المعقولات، ومنهم شمس الدين بن عدلان كبير الشافعية، ومنهم بهاء الدين بن عقيل فقيه كبير، ومنهم أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف بن حيان الغرناطي، وهو أعلمهم بالنحو، ومنهم الشيخ الصالح بدر الدين عبد الله المنوفي، ومنهم برهان الدين الصفاقسي، ومنهم قوام الدين الكرماني، وكان سكناه على سطح الجامع الأزهر، وله جماعة من الفقهاء والقراء يلازمونه ويدرسون فنون العلم، ويفتي في المذاهب، ولباسه عباءة صوف خشنة، وعمامة صوف سوداء ومن عاداته أن يذهب بعد صلاة العصر إلى موضع الفرج والنزهات، منفرداً عن أصحابه، ومنهم السيد الشريف شمس الدين ابن بنت الصاحب تاج الدين بن حناء، ومنهم شيخ شيوخ القراء بديار مصر مجد الدين الأقصرائي، نسبة إلى أقصرا، من بلاد الروم، ومسكنه سرياقص، ومنهم الشيخ جمال الدين الحويزائي. والحويزا على مسيرة ثلاثة أيام من البصرة، ومنهم نقيب الأشراف بديار مصر السيد الشريف المعظم بدر الدين الحسيني من كبار الصالحين، ومنهم وكيل بيت المال المدرس بقبة الإمام الشافعي مجد الدين بن حرمي، ومنهم المحتسب بمصر نجم الدين السهرتي من كبار الفقهاء، وله بمصر رياسة عظيمة وجاه.
ذكر يوم المحمل
وهو يوم دوران الجمل يوم مشهود وكيفية ترتيبهم فيه أنه يركب فيه القضاة الأربعة، ووكيل بيت المال والمحتسب وقد ذكرنا جميعهم، ويركب معهم أعلام الفقهاء وأمناء الرؤساء وأرباب الدولة، ويقصدون جميعاً باب القلعة، دار الملك الناصر، فيخرج إليهم المحل على جمل، وأمامه الأمير المعين لسفر الحجاز في تلك السنة، ومعه عسكره والسقاؤون على جمالهم، ويجتمع لذلك أصناف الناس من رجال ونساء، ثم يطوفون بالمحمل وجميع من ذكرنا معه بمدينة القاهرة ومصر، والحداة يحدون أمامهم، ويكون ذلك في رجب فعند ذلك تهيج العزمات، وتنبعث الأشواق، وتتحرك البواعيث، ويلقي الله تعالى العزيمة على الحج في قلب من يشاء من عباده، فيأخذون في التأهب لذلك والاستعداد. ثم كان سفري من مصر على طريق الصعيد برسم الحجاز الشريف. فبت ليلة خروجي بالرباط الذي بناه الصاحب تاج الدين بن حناء بدير الطين، وهو رباط عظيم بناء على مفاخر عظيمة، وآثار كريمة، أودعها فيه وهي قطعة من قصعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والميل الذي كان يكتحل به، والدرفش وهو الأشفا الذي كان يخصف به نعله، ومصحف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي بخط يده رضي الله عنه. ويقال: إن الصاحب اشترى ما ذكرناه من الآثار الكريمة النبوية بمائة ألف درهم، وبنى الرباط، وجعل فيه الطعام للوارد والصادر، والجراية لخدام تلك الآثار الشريفة، نفعه الله تعالى بقصده المبارك. ثم خرجت من الرباط المذكور، ومررت بمنية القائد، وهي بلدة صغيرة على ساحل النيل. ثم سرت منها إلى مدينة بوش " وضبطها بضم الباء الموحدة واحدة شين معجم " وهذه المدينة أكثر بلاد مصر كتاناً، ومنها يجلب إلى سائر الدنيا المصرية، وإلى إفريقية. ثم سافرت منها، فوصلت إلى مدينة دلاص " وضبط اسمها بفتح الدال المهملة وآخره صاد مهملة " ، وهذه المدينة كثيرة الكتان أيضاً، كمثل التي ذكرناها قبلها. ويحمل أيضاً منها إلى ديار مصر وإفريقية. ثم سافرت منها إلى مدينة ببا " وضبط اسمها بباءين موحدتين أولاهما مكسورة " . ثم سافرت منها إلى مدينة البهنسا، وهي مدينة كبيرة وبساتينها كثيرة، " وضبط اسمها بفتح الموحدة وإسكان الهاء وفتح النون والسين " وتصنع بهذه المدينة ثياب الصوف الجيدة. وممن لقيته بها قاضيها العالم شرف الدين، وهو كريم النفس فاضل. ولقيت بها الشيخ الصالح أبا بكر العجمي، ونزلت عنده وأضافني. ثم سافرت منها إلى مدينة منية ابن خصيب ، وهي مدينة كبيرة الساحة متسعة المساحة مبنية على شاطئ النيل. وحق حقيق لها على بلاد الصعيد التفضيل. بها المارس والمشاهد والزوايا والمساجد وكانت في القديم منية عامل مصر الخصيب.
حكاية خصيب