وخرج إليه خسروخان في عساكره، ونزل بخارج دهلي بموضع يعرف بآصيا أباد " آسياباد " ومعنى ذلك رحى الريح، وأمر بالخزائن ففتحت، وأعطى الأموال بالبدر، لا بوزن ولا عد. ووقع اللقاء بينه وبين تغلق، وقاتلت الهنود أشد قتال. وانهزمت عساكر تغلق، ونهبت محلته، وانفرد في أصحابه الأقدمين الثلاثمائة، فقال لهم: إلى أين الفرار حيثما أدركنا قتلنا، واشتغلت عساكر خسرو خان بالنهب، وتفرقوا عنه ولم يبق معه الا قليل. فقصد تغلق وأصحابه موقفه، والسلطان هنالك يعرف بالشطر " جتر " الذي يرفع فوق رأسه، وهو الذي يسمى بديار مصر القبة، والطير، ويرفع بها في الأعياد. وأما بالهند والصين فلا يفارق السلطان في سفر ولا حضر. فلما قصده تغلق وأصحابه حمي القتال بينهم وبين الهنود. وانهزم أصحاب السلطان ولم يبق معه أحد، وهرب فنزل عن فرسه ورمى بثيابه وسلاحه، وبقي في قميص واحد، وأرسل شعره بين كتفيه كما يفعل فقراء الهند، ودخل بستاناً هنالك. واجتمع الناس على تغلق، وقصد المدينة، فأتاه الكتوال بالمفاتيح، ودخل القصر ونزل بناحية منه وقال لكشلو خان: أنت تكون السلطان. فقال كشلو خان: بل أنت تكون السلطان. وتنازعا، فقال له كشلو خان: فإن أبيت أن تكون سلطاناً فيتولى ولدك. فكره هذا، وقبل حينئذ، وقعد على سرير الملك وبايعه الخاص والعام، ولما كان بعد ثلاث اشتد لجوع بخسرو خان، وهو مختف بالبستان، فخرج وطاف به فوجد القيم فسأله طعاماً فلم يكن عنده فأعطاه خاتمه وقال: اذهب فارهنه في طعام فلما ذهب بالخاتم إلى السوق أنكر الناس أمره ورفعوه إلى الشحنة وهو الحاكم فأدخله على السلطان تغلق فأعلمه بمن دفع إليه الخاتم. فبعث ولده محمداً ليأتي به فقبض عليه وأتاه به راكباً على تتو " بتائين مثناتين أولاهما مفتوحة والثانية مضمومة " ، وهو البرذون. فلما مثل بين يديه قال له: إني جائع فأتني بطعام. فأمر له بالشربة ثم الطعام ثم بالقفاع ثم بالتنبول. فلما أكل قام قائماً وقال: يا تغلق افعل معي فعل الملوك، ولا تفضحني. فقال له: لك ذلك. وأمر به فضربت رقبته وذلك في الموضع الذي قتل هو به قطب الدين، ورمي برأسه وجسده من أعلى السطح كما فعل هو برأس قطب الدين، وبعد ذلك أمر بغسله وتكفينه. ودفن في مقبرته، واستقام الملك لتغلق أربعة أعوام. وكان عادلاً فاضلاً.
ذكر ما رامه ولده من القيام عليه فلم يتم له ذلك ولما استقر تغلق بدار الملك بعث ولده ليفتح بلاد التلنك " وضبطها بكسر التاء المعلوة واللام وسكون النون وكاف معقودة " وهي على مسيرة ثلاثة أشهر من مدينة دهلي. وبعث معه عسكراً عظيماً فيه كبار الامراء، مثل الملك تمور " بفتح التاء المعلوة وضم الميم وآخره راء " ومثل الملك تكين " بكسر التاء المعلوة والكاف وآخره نون " ومثل ملك كافور والمهردار " بضم الميم " ومثل ملك بيرم " بالباء الموحدة مفتوحة والياء أخر الحروف والراء مفتوحة " وسواهم. فلما بلغ إلى أرض التلنك أراد المخالفة. وكان له نديم من الفقهاء الشعراء يعرف بعبيد، فأمره أن يلقي إلى الناس أن السلطان تغلق توفي، وظنه أن الناس يبايعونه مسرعين إذا سمعوا ذلك. فلما ألقى ذلك إلى الناس أنكره الأمراء، وضرب كل واحد منهم طبله وخالف، فلم يبق معه أحد. وأرادوا قتله، فمنعهم منه ملك تمور، وقام دونه. ففر إلى أبيه في عشرة من الفرسان سماهم ياران موافق، ومعناه الأصحاب الموافقون. فأعطاه أبوه الأموال والعساكر وأمره بالعود إلى تلنك فعاد إليها. وعلم أبوه بما كان أراد. فقتل الفقيه عبيداً، وأمر بملك كافور المهردار فدق له عمود في الأرض محدود الطرف، وركز في عنقه حتى خرج من جنبه طرفه، ورأسه، إلى أسفل. وترك على تلك الحال. وفر من بقي من الأمراء إلى السلطان شمس الدين ابن السلطان ناصر الدين ابن السلطان غياث الدين بلبن، واستقروا عنده.
ذكر مسير تغلق إلى بلاد اللكنوتي وما اتصل لذلك إلى وفاته