وكان هذا الفقيه قدم على السلطان، وأقام تحت إحسانه مدة عام. ثم أراد الرجوع إلى وطنه، فأذن له في ذلك، ولم يكن سمع كلامه ووعظه. ولما خرج السلطان يقصد بلاد المعبر، أحب سماعه قبل انصرافه. فأمر أن يهيأ له منبر من الصندل الأبيض المقاصري، وجعلت مساميره وصفائحه من الذهب، وألصق بأعلاه حجر ياقوت عظيم، وخلع على ناصر الدين عباءة عباسية سوداء مذهبه مرصعة بالجوهر وعمامة أيضاً، ونصب له المنبر بداخل السراجة وهي أفراج. وقعد السلطان على سريره، والخواص عن يمينه ويساره، وأخذ القضاة والفقهاء والأمراء مجالسهم. فخطب خطبة عظيمة ووعظ وذكر، ولم يكن فيما فعله طائل، لكن سعادته ساعدته. ولما نزل عن المنبر قام السلطان إليه وعانقه وأركبه على فيل، وأمر جميع من حضر أن يمشوا بين يديه، وكنت في جمعهم إلى سراجة. ضربت له مقابلة سراجة السلطان وكلها من الحرير الملون، وصيوانها من الحرير، وخباؤها كذلك. فقعد وقعدنا معه. وكان بجانب من السراجة أواني الذهب التي أعطاها له. وذلك تنور كبير بحيث يسع في جوفه الرجل القاعد، وقدران اثنتان وصحاف لا أذكر عددها وعدة أكواز وركوة وتميسندة ومائدة لها أربع أرجل ومحمل للكتب، كل ذلك من ذهب. ورفع عماد الدين السمناوي وتدين من أوتاد السراجة، أحدهما نحاس والثاني مقصدر. يوهم ذلك أنهما من ذهب وفضة، ولم يكونا إلا كما ذكرنا. وقد كان أعطاه حين قدومه مائة الف دينار دراهم، ومئتين من العبيد، سرح البعض وحمل البعض.
ذكر عطائه لعبد العزيز الأردويلي وكان عبد العزيز هذا فقيهاً محدثاً، قرأ بدمشق على تقي الدين بن تيمية، وبرهان الدين بن البركح، وجمال الدين المزي، وشمس الدين الذهبي وغيرهم. ثم قدم على السلطان، فأحسن إليه وأكرمه. واتفق يوماً أنه سرد عليه أحاديث في كرم العباس وابنه رضي الله عنهما، وشيئاً من مآثر الخلفاء أولادهما. فأعجب ذلك السلطان لحبه في بني العباس، وقبل قدمي الفقيه، وأمر أن يؤتى بصينية ذهب فيها ألفا تنكة، فصبها عليه بيده، وقال: هي لك مع الصينية. وقد ذكرنا هذه الحكاية فيما تقدم.
ذكر عطائه لشمس الدين الأندكاني وكان الفقيه شمس الدين الأندكاني حكيماً شاعراً مطبوعاً، فمدح السلطان بقصيدة باللسان الفارسي، وكان عدد أبياتها سبعة وعشرين بيتاً، فأعطاه لكل بيت منها ألف دينار دراهم. وهذا أعظم مما يحكى عن المتقدمين الذين كانوا يعطون على بيت شعر ألف درهم، وهو عشر عطاء السلطان.
ذكر عطائه لعضد الدين الشونكاري وكان عضد الدين فقيهاً إماماً فاضلاً كبير القدر عظيم الصيت شهير الذكر ببلاده. فبلغت السلطان أخباره، وسمع بمآثره. فبعث إليه إلى بلدة شونكارة عشرة آلاف دينار دراهم ولم يره قط ولا وفد عليه.
ذكر عطائه للقاضي مجد الدين ولما بلغه خبر القاضي العالم الصالح ذي الكرامة الشهيرة مجد الدين قاضي شيراز الذي سطرنا أخباره في السفر الأول، وسيمر بعض خبره. وبعد هذا بعث إليه إلى مدينة شيراز، صحبة الشيخ زاده الدمشقي عشرة آلاف دينار دراهم.
ذكر عطائه لبرهان الدين الصاغرجي وكان برهان الدين أحد الوعاظ الأئمة، كثير الإيثار، باذلاً لما يملكه. حتى أنه كثيراً ما يأخذ الديون، ويؤثر على الناس. فبلغ خبره إلى السلطان، فبعث إليه أربعين ألف دينار، وطلب منه أن يصل إلى حضرته. فقبل الدنانير وقضى دينه منها، وتوجه إلى بلاد الخطا، وأبى أن يصل إليه، وقال: لا أمضي إلى سلطان يقف العلماء بين يديه.
ذكر عطائه لحاجي كاون وحكايته