ولما لقيت بهذه المدينة المدرس تالصالح المعمر الإمام الخطيب برهان الدين الجعبري، أحد الصلحاء المرضيين، والأئمة المشهورين. سألته عن صحة كون قبر الخليل عليه السلام هنالك فقال لي: كل من لقيته من أهل العلنم يصححون أن هذه القبور قبور إبراهيم وإسحاق ويعقوب على نبينا وعليهم السلام، وقبور زوجاتهم، ولا يطعن في ذلك إلا أهل البدع وهو نقل الخلف عن السلف لا يشك فيه، ويذكر أن بعض الأئمة دخل إلى الغار، ووقف عند قبر سارة؛ فدخل شيخ فقال له: أي هذه القبور هو قبر إبراهيم ؟ فأشار له إلى قبره المعروف ثم دخل شاب فسأله كذلك، فأشار له إليه. ثم دخل صبي فسأله أيضاً فأشار له إليه فقال الفقيه أشهد أن هذا قبر إبراهيم عليه السلام لا شك. ثم دخل إلى المسجد فصلى به وارتحل من الغد. وبداخل هذا المسجد أيضاً قبر يوسف عليه السبلام. وبشرقي حرم الخليل تربة لوط عليه السلام. وهي تل مرتفع، يشرف منه غور الشام. وعلى قبره أبنية حسنة. وهو في بيت مه احسن البناء مبيض ولا ستور عليه. وهنالك بحيرة لوط ، هي أجاج. يقال أنها موضع ديار قوم لوط وبمقربة من تربة لوط مسجد اليقي، وهو على تل مرتفع له نور وإشراق ليس لسواه ولا يجاوره إلا دار واحدة يسكنها قيمه. وفي المسجد بمقربة من بابه مخوضع منخفض في حجر صلد قد هيئ فيه صورة محراب، لا يسع إلا مصلياً واحداً، ويقال: إن إبراهيم سجد في ذلك الموضع شكراً لله تعالى عند هلاك قوم لوط، فتحرك موضع سجوده،وساخ في الأرض قليلاً. وبالقرب من هذا المسجد مغارة فيها قبر فاطمة بنت الحسين بن علي عليهما السلام وبأعلى القبر وأسفله لوحان من الرخام في أحدهما مكتوب منقوش بخط بديع بسم الله الرحمن الرحيم لله العزة والبقاء وله ما ذرأ وبرأ وعلى خلقه كتب الفناء. وفي رسول الله أسوة. هذا قبر أم سلمة فاطمة بنت الحسين رضي الله عنه. وفي اللوح الآخر منقوش صنعه محمد بن أبي سهل النقاش بمصر. وتحت ذلك هذه الأبيات:
أسكنت من كان في الأحشاء مسكنه ... بالرغم مني بين الترب والحجر
يا قبر فاطمة بنت ابن فاطمة ... بنت الأئمة بنت الأنجم الزهر
يا قبر ما فيك من دين ومن ورع ... ومن عفاف ومن صون ومن خفر
ثم سافرت من هذه المدينة إلى القدس. فزرت في طريقي إليه تربة يونس عليه السلام، وعليها أبنية كبيرة ومسجد. وزرت أيضاً بيت لحم، موضع ميلاد عيسى عليه السلام، وبه أثر جذع النخلة، وعليه عمارة كثيرة. والنصارى يعظمونه أشد التعظيم، ويضيفون من نزل به، ثم وصلنا إلى بيت المقدس، شرفه الله، ثالث المسجدين الشريفين في رتبة الفل، ومصعد رسول الله عليه وسلم تسليماً، ومعرجة إلى السماء. والبلدة الكبيرة مبنية بالصخر المنحوت. وكان الملك الصالح الفاضل صلاح الدين بن أيوب جزاه الله عن الإسلام خيراً، لما فتح هذه المدينة هدم بض سورها. ثم استنقض الملك الظاهر هدمه خوفاً أن يقصدها الروم فيتمنعوا بها. ولم يكن بهذه المدينة نهر فيما تقدم وجلب لها الماء في هذا العهد الأمير سيف الدين تنكيز أمير دمشق.
ذكر المسجد المقدس
وهو من المساجد العجيبة الرائقة الفائقة الحسن، يقال: إنه لا يوجد على وجه الأرض مسجد أكبر منه، وإن طوله من شرق إلى غربي سبعمائة واثنتان وخمسون ذراعاً بالذراع المالكية وعرضه من القبلة إلى الجوف أربعمائة ذراع وخمس وثلاثون ذراعاً في جهاته الثلاث، وأماالجهة القبلية منه فلا علم بها إلا باباً واحخداً، وهو الذي يدخل منه الإمام، والمسجد كله فضاء وغير مسقف في النهاية من إحكام الفعل وإتقان الصنعة مموه لبالذهب والأصبغة الرائقة، وفي المسجد مواضع سواه مسقفة.
ذكر قبة الصخرة