وملك إيذج في عهد دخولي إليها السلطان أتابك افراسياب بن السلطان أتابك أحمد وأتابك عندهم سمة لجميع من يلي تلك البلاد من ملك. وهي تسمى بلاد اللور. وولي هذا السلطان بعد أخيه أتابك يوسف، وولي يوسف بعد أبيه أحمد، وكان احمد المذكور ملكاً صالحاً، سمعت من الثقات ببلاده أنه عمر أربعمائة وستين زاوية ببلاده، منها بحضرة إيذج أربع وأربعون، وقسم الخراج أثلاثاً: ثلث لنفقة الزوايا والمدارس، وثلث لمراتب العسكر، وثلث لنفقته ونفقة عياله وعبيده وخدامه، ويبعث منه هدية لملك العراق في كل سنة، وربما وفد عليه بنفسه، وشاهدت من أثاره الصالحة ببلاده أن أكثرها في جبال شامخة، وقد نحتت الطرق في الصخور، وسويت ووسعت، بحيث تصعدها الدواب بأحمالها. وطول هذه الجبال مسيرة سبعة عشر في عرض عشرة، وهي شاهقة متصل بعضها ببعض، تشقها الأنهار، وشجرها البلوط، وهم يصنعون من دقيقه الخبز، وفي كل منزل من منازلها زاوية يسمونها المدرسة، فإذا وصل المسافر إلى مدرسة منها أتي بما يكفيه من الطعام والعلف لدابته سواء طلب ذلك أو لم يطلبه فإن عادتهم أن يأتي خادم المدرسة فيعد من نزل بها من الناس، ويعطي كل واحد منهم قرصين من الخبز ولحماً وحلواء، وجميعم من أوقاف السلطان عليها. وكان السلطان أتابك أحمد زاهداً صالحاً كما ذكرناه، يلبس تحت ثيابه مما يلي جسده ثوب شعر.
حكاية
قدم السلطان أتابك أحمد مرة على ملك العراق أبي سعيد، فقال له بعض خواصه إن أتابك أحمد يدخل عليك وعليه الدرع، وظن ثوب الشعر الذي تحت ثيابه درعاً، فأمره بإختبار ذلك على جهه من الانبساط ليعرف حقيقته، فدخل عليه يوماً فقام إليه الأمير الجوبان عظيم الأمراء العراق، والأمير سويته أمير ديار بكر، والشيخ حسن الذي هو الآن سلطان العراق، وأمسوكوا بثيابه كأنهم يمازحونه، فوجدوا تحت ثيابه ثوب الشعر، ورآه السلطان أبو سعيد وقام إليه وعانقه وأجلسه إلى جواره وقال له: سن أطا بالتركية، ومعناه أنت أبي، وعوضه عن هديته بأضعافها، وكتب له اليرليغ، وهو الظهير، أن لا يطالبه بهدية بعدها هو ولا أولاده وفي تلك السنة توفي وولي ابنه أتابك يوسف عشرة أعوام، ثم ولي أخوه افراسياب. ولما دخلت مدينة إيذج أردت رؤية افراسياب المذكور فلم يتأت لي ذلك، بسبب أنه لا يخرج إلى يوم الجمعة لإدمانه على الخمر وكان له ابن هو ولي عهده، وليس له سواه فمرض في تلك الأيام، وفي إحدى الليالي أتاني أحد خدامه، وسألني عن حالي فعرفته، وذهب، ثم جاء بعد صلاة المغرب، ومعه طيفوران كبيران: أحدهما بالطعام والآخر بالفاكهة، وخريطة فيها دراهم، ومعهم أهل السماع بآلاتهم، وقال: اعملوا السماع حتى يهزج الفقراء، ويدعون لابن السلطان فقلت له: إن اصحابي لا يدرون بالسماع ولا بالرقص، ودعونا للسلطان ولولده وقسمت الدراهم على الفقراء. ولما كان نصف الليل سمعنا الصراخ، وقد مات المريض المذكور وفي الغد دخل علي شيخ الزاوية وأهل البلد وقالوا: إن كبراء المدينة من القضاة والفقهاء والأشراف والأمراء قد ذهبوا إلى دار السلطان للعزاء، فينبغي لك أن تذهب في جملتهم فأبيت، فعزموا علي، فلم يكن لي بد من المسير، وسرت معهم، فوجدت مشوار دار السلطان ممتلئاً رجالاً وصبياناً من المماليك، وأبناء الملوك والوزراء والأجناد قد لبسوا التلابيس، وجلال الدواب، وجعلوا فوق رؤوسهم التراب والتبن، وبعضهم قد جز ناصيته وانقسموا فرقتين فرقة بأعلى المشور، وفرقة بأسفله وتزحف كل فرقة إلى الأخرى، وهم ضاربون بأيديهم على صدورهم قائلين خوند كارما، ومعنا مولاي أنا، فرأيت من ذلك أمراً هائلاً ومنظراً فظيعاً لم أعهد مثله.
؟حكاية
ومن غريب ما اتفق لي يومئذ أني دخلت فرأيت القضاة والخطباء والشرفاء، قد استندوا إلى حيطان المشور، وهو غاص بهم من جميع جهاته، وهم بين باكٍ ومتباكٍ ومطرق، وقد لبسوا فوق ثيابهم ثياباً خامة من غليظ القطن غير محكمة الخياطة بطائنها إلى أعلى ووجوهها مما يلي أجسادهم، وعلى رأس كل واحد منهم خرقة أو مئزر أسود، وهكذا يكون فعلهم إلى تمام أربعين يوماً وهي نهاية الحزن عندهم، وبعدها يبعث السلطان لكل من فعل ذلك كسوة كاملة.