فلما رأيت جهات المشور غاصة بالناس نظرت يميناً وشمالاً، أرتاد موضعاً لجلوسي فرأيت هنالك سقيفة مرتفعة من الأرض بمقدار شبر، وفي إحدى زواياها رجل منفرد عن الناس قاعد، عليه ثوب صوف مثل اللبد يلبسه بتلك البلاد ضعفاء الناس أيام المطر والثلج وفي الأسفار، فتقدمت منه، وانقطع عني أصحابي لما رأوا إقدامي نحوه، وعجبوا مني وأنا لا علم لي بشيء من حاله فصعدت السقيفة وسلمت على الرجل، فرد علي السلام، وارتفع عن الأرض كأنه يريد القيام، وهم يسمون ذلك نصف القيام وقعدت في الركن المقابل له، ثم نظرت إلى الناس، وقد رموني بأبصارهم جميعاً فعجبت منهم، ورأيت الفقهاء والمشايخ وألأشراف مستندين إلى الحائط تحت السقيفة، وأشار إلي أحد القضاة أن أنحط إلى جانبه فلم أفعل، وحينئذ استشعرت أنه السلطان فلما كان بعد ساعة أتى شيخ المشايخ نور الدين الكرماني الذي ذكرناه قبل، فصعد إلى السقيفة وسلم على الرجل فقام إليه وجلس فيما بيني وبينه، فحيئذ علمت أنه السلطان.
ثم جيء بالجنازة، وهي بين أشجار الأترج والليمون وقد ملأوا أغصانها بثمارها، وهي بأيدي الرجال فأكان الجنازة تمشي في بستان، والمشاعل في رماح طوال بين يديها، والشمع كذلك، فصلى عليها، وذهب الناس معها إلى مدفن الملوك، وهو بموضع يقال له: هلا فيجان، على اربعة أميال من المدينة، وهنالك مدرسة عظيمة يشقها نهر، وبداخلها مسجد تقام فيه الجمعة وبخارجها حمام، ويحف بها بستان عظيم وبها الطعام للوارد والصادر، ولم أستطع أن أذهب معهم إلى المدفن لبعد الموضع فعدت إلى المدرسة.
فلما كان بعد ايام بعث إلي السلطان رسوله الذي أتاني بالضيافة اولاً يدعوني إليه، فذهبت معه إلى باب يعرف بباب السر، وصعدنا في درج كثيرة إلى أن انتهينا إلى موضع لا فرش به، لأجل ما هم فيه من الحزن، والسلطان جالس فوق مخدة، وبين يديه آنيتان قد غطيتا، إحداهما من الذهب وألأخرى من الفضة، وكانت بالمجلس سجادة خضراء، ففرشت لي بالقرب منه، وقعدت عليها وليس بالمجلس إلا حاجبه الفقيه محمود، ونديم له لا أعرف اسمه فسألني عن حالي وبلادي، وسألني عن الملك الناصر، وبلاد الحجاز، فأجبته عن ذلك، ثم جاء فقيه كبير، وهو رئيس فقهاء تلك البلاد، فقال لي السلطان، هذا مولانا فضيل، والفقيه ببلاد الأعاجم كلها إنما يخاطب بمولانا وبذلك يدعوه السلطان وسواه، ثم أخذ في الثناء على الفقيه المذكور، وظهر لي أن السكر غالب عليه، وكنت قد عرفت إدمانه على الخمر، ثم قال لي باللسان العربي، وكان يحسنه تكلم فقلت له: إن كنت تسمع مني أقول لك: أنت من أولاد السلطان أتابك احمد المشهور بالزهد والصلاح، وليس فيك ما يقدح في سلطنتك غير هذا، وأشرت إلى الآنيتين فخجل من كلامي وسكت، وأردت الأنصراف، فأمرني بالجلوس، وقال لي: الاجتماع مع أمثالك رحمة، ثم رأيته يتمايل ويريد النوم، فانصرفت وكنت تركت نعلي بالباب فلم أجده، فنزل الفقيه محمود في طلبه، وصعد الفقيه فضل يطلبه في داخل المجلس، فوجده في طاق هنالك فأتى به فأخجلني بره واعتذرت إليه، فقبل نعلي ووضعه على رأسه وقال لي: بارك الله فيك هذا الذي قلته لسلطاننا لا يقدر أحد أن يقوله له غيرك، والله أني لأرجو أن يؤثر ذلك فيه.
ثم كان رحيلي من حضرة إيذج بعد ايام، فنزلت بمدرسة السلاطين التي بها قبورهم، وأقمت بها أياماً، وبعث إلي السلطان بجملة دنانير، وبعث بمثلها لأصحابي وسافرنا في بلاد هذا السلطان عشرة ايام في جبال شامخة، وفي كل ليلة تنزل بمدرسة فيها الطعام، فمنها ما هو في العمارة، ومنها ما لا عمارة حوله ولكن يجلب إليها جميع ما تحتاج إليه. وفي اليوم العاشر نزلنا بمدرسة تعرف بمدرسة كريو الرخ، وهي آخر بلاد الملك وسافرنا منها في بسيط من الأرض كثير المياه من عمالة مدينة أصفهان.