وأما الفخار الصيني فلا يصنع منه إلا بمدينة الزيتون وبصين كلان. وهو من تراب جبال هنالك، تقد فيه النار كالفحم، وسنذكر ذلك، ويضيفون إليه حجارة عندهم. ويوقدون النار عليها ثلاثة أيام، ثم يصبون عليها الماء، فيعود الجميع تراباً، ثم يخمرونه. فالجيد منه ما خمر شهراً كاملاً، ولا يزاد على ذلك. والدون ما خمر عشرة أيام. وهو هنالك بقيمة الفخار ببلادنا أو أرخص ثمناً. ويحمل إلى الهند وسائر الاقاليم، حتى يصل إلى بلادنا بالمغرب. وهو أبدع أنواع الفخار.
ذكر دجاج الصين
ودجاج الصين وديوكها ضخمة جداً، أضخم من الأوز عندنا. وبيض الدجاج عندهم أضخم من بيض الإوز عندنا. وأما الإوز عندهم فلا ضخامة لها. ولقد اشترينا دجاجة، فأردنا طبخها، فلم يسع لحمها في برمة واحدة، فجعلناها في برمتين. ويكون الديك بها على قدر النعامة. وربما انتتف ريشها، فيبقى بضعة حمراء. وأول ما رأيت الديك الصيني بمدينة كولم، فظننته نعامة وعجبت منه، فقال لي صاحبه: إن ببلاد الصين ما هو أعظم منه. فلما وصلت إلى الصين رأيت مصداق ما أخبرني به من ذلك
ذكر بعض من أحوال أهالي الصين
وأهل الصين كفار يعبدون الأصنام، ويحرقون موتاهم كما تفعل الهنود. وملك الصين تتري من ذرية تنكيز خان. وفي كل مدينة من مدن الصين مدينة للمسلمين، ينفردون بسكناهم. ولهم فيها المساجد لإقامة الجمعات وسواها. وهم معظمون محترمون. وكفار الصين يأكلون لحوم الخنازير والكلاب، ويبيعونها في أسواقهم. وهم أهل رفاهية وسعة عيش، إلا أنهم لا يحتفلون في مطعم ولا ملبس. وترى التاجر الكبير منهم الذي لا تحصى أمواله كثرة، وعليه جبة قطن خشنة. وجميع أهل الصين إنما يحتفلون في أواني الذهب والفضة. ولكل واحد منهم عكاز يعتمد عليه في المشي، ويقولون هو الرجل الثالثة. والحرير عندهم كثير جداً، لأن الدودة تتعلق بالثمار وتأكل منها فلا تحتاج إلى كثير مؤونة، ولذلك كثر، وهو لباس الفقراء والمساكين بها، ولولا التجار لما كانت له قيمة. ويباع الثوب الواحد من القطن عندهم بالأثواب الكثيرة من الحرير. وعادتهم أن يسبك التاجر ما يكون عنده من الذهب والفضة قطعاً، تكون القطعة منها من قنطار فما فوقه وما دونه، ويجعل ذلك على باب داره. ومن كان له خمس قطع منها، جعل في إصبعه خاتماً، ومن كانت له عشر جعل خاتمين، ومن كان له خمس عشرة سموه الستي " بفتح السين المهمل وكسر التاء المعلوة " وهو بمعنى الكارمي بمصر. ويسمون القطعة الواحدة منها بركالة " بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الكاف واللام " .
ذكر دراهم الكاغد التي بها يبيعون ويشترون
وأهل الصين لا يتبايعون بدينار ولا درهم. وجميع ما يتحصل ببلادهم من ذلك يسبكونه قطعاً، كما ذكرناه، وإنما بيعهم وشراؤهم. بقطع كاغد، كل قطعة منها بقدر الكف، مطبوعة بطابع السلطان، وتسمى الخمس والعشرون قطعة منها، بالشت " بباء موحدة والف ولام مكسور وسين معجم مسكن وتاء معلوة " ، وهو بمعنى الدينار عندنا. وإذا تمزقت تلك الكواغد في يد إنسان حملها إلى دار كدار السكة عندنا، فأخذ عوضها جدداً ودفع تلك. ولا يعطى على ذلك أجرة ولا سواها، لأن الذين يتولون عملها لهم الأرزاق الجارية من قبل السلطان، وقد وكل بتلك الدار أمير من كبار الأمراء. وإذا مضى الإنسان إلى السوق بدرهم فضة أو دينار يريد شراء شيء، لم يؤخذ منه، ولا يلتفت عليه، حتى يصرفه بالبالشت، ويشتري به ما أراد.
ذكر التراب الذي يوقدونه مكان الفحم
وجميع أهل الصين والخطا، إنما فحمهم تراب عندهم، منعقد كالطفل عندنا، ولونه لون الطفل، تأتي الفيلة بالأحمال منه، فيقطعونه قطعاً على قدر قطع الفحم عندنا، ويشعلون النار فيه. فيقد كالفحم، وهو أشد حرارة من نار الفحم. وإذا صار رماداً عجنوه بالماء ويبسوه وطبخوا به ثانية. ولا يزالون يفعلون به كذلك إلى أن يتلاشى. ومن هذا التراب يصنعون أواني الفخار الصيني، ويضيفون إليه حجارة سواه، كما قلنا.
ذكر ما خصوا به من إحكام الصناعات