وأهل الصين أعظم الأمم إحكاماً للصناعات، وأشدهم إتقاناً فيها، وذلك مشهور من حالهم، قد وصفه الناس في تصانيفهم فأطنبوا فيه، وأما التصوير فلا يجاريهم أحد في إحكامه، من الروم ولا من سواهم. فإن لهم فيه اقتداراً عظيماً. ومن عجيب ما شاهدت لهم من ذلك، أني ما دخلت قط مدينة من مدنهم، ثم عدت إليها، إلا ورأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في الحيطان والكواغد، موضوعة في الأسواق.
ولقد دخلت إلى مدينة السلطان فمررت على سوق النقاشين، ووصلت إلى قصره مع أصحابي، ونحن على زي العراقيين. فلما عدت من القصر عشياً، مررت بالسوق المذكورة، فرأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في كاغد قد ألصقوه بالحائط. فجعل الواحد منا ينظر إلى صورة صاحبه لا تخطئ شيئاً من شبهه.
وذكر لي أن السلطان أمرهم بذلك، وأنهم أتوا إلى قصره ونحن به، فجعلوا ينظرون إلينا ويصورون صورنا، ونحن لم نشعر بذلك، وتلك عادة لهم في تصوير كل من يمر بهم. وتنتهي حالهم في ذلك إلى أن الغريب إذا فعل ما يوجب فراره عنهم، بعث صورته إلى البلاد، وبحث عنه. فحيثما وجد شبه تلك الصورة أخذ. قال ابن جزي: هذا مثل ما حكاه أهل التأريخ من قضية سابور ذي الأكتاف، ملك الفرس، حين دخل إلى بلاد الروم متنكراً، وحضر وليمة صنعها ملكهم، وكانت صورته على بعض الأواني فنظر إليها بعض خدام قيصر، فانطبعت على صورة سابور. فقال لملكه: إن هذه الصورة تخبرني أن كسرى معنا في هذا المجلس. فكان الأمر على ما قاله، وجرى فيه ما هو مسطور في الكتب.
ذكر عادتهم في تقييد ما في المراكب
وعادة أهل الصين إذا أراد جنك من جنوكهم السفر، صعد إليه صاحب البحر وكتابه، وكتبوا من يسافر فيه من الرماة والخدم والبحرية، وحينئذ يباح لهم السفر. فإذا عاد الجنك إلى الصين، صعدوا إليه أيضاً وقابلوا ما قيدوه بأشخاص الناس، فإن فقدوا أحداً ممن قيدوه، طالبوا صاحب الجنك. فإما أن يأتي ببرهان على موته أو فراره، أو غير ذلك مما يحدث عليه، وإلا أخذ فيه. فإذا فرغوا من ذلك أمروا صاحب المركب أن يملي عليهم تفصيلاً بجميع ما فيه من السلع، قليلها وكثيرها، ثم ينزل من فيه، ويجلس حفاظ الديوان لمشاهدة ما عندهم. فإن عثروا على سلعة قد كتمت عنهم، عاد الجنك بجميع ما فيه مالاً للمخزن وذلك نوع من الظلم ما رأيته ببلاد الكفار ولا المسلمين إلا بالصين، اللهم إلا أنه كان بالهند ما يقرب منه، وهو أن من عثر على سلعة له قد غاب على مغرمها، أغرم احد عشر مغرماً، ثم رفع السلطان ذلك لما رفع المغارم.
ذكر عادتهم في منع التجار عن الفساد
وإذا قدم التاجر المسلم على بلد من بلاد الصين خير في النزول عند تاجر من المسلمين المتوطنين معين أو في الفندق، فإن أحب النزول عند التاجر حصر ماله، وضمنه التاجر المستوطن، وأنفق عليه منه بالمعروف. فإذا أراد السفر بحث عن ماله، فإن وجد شيئاً منه قد ضاع، أغرمه التاجر المستوطن الذي ضمنه، وإن أراد النزول بالفندق، سلم ماله لصاحب الفندق وضمنه، وهو يشتري له ما أحب ويحاسبه، فإن أراد التسري اشترى له جارية، وأسكنه بدار يكون بابها في الفندق، وأنفق عليهما. والجواري رخيصات الأثمان، إلا أن أهل الصين أجمعين يبيعون أولادهم وبناتهم، وليس ذلك عيباً عندهم غير أنهم لا يجبرون على السفر مع مشتريهم، ولا يمنعون أيضاً منه إن اختاروه. وكذلك إن أراد التزوج تزوج. وأما إنفاق ماله في الفساد فشيء لا سبيل له إليه. ويقولون: لا نريد أن يسمع في بلاد المسلمين أنهم يخسرون أموالهم في بلادنا، فإنها أرض ضلال.
ذكر حفظهم للمسافرين في الطرق