The Travels

ذكر عادتهم في تقييد ما في المراكب
Read with the dictionary

وبلاد الصين آمن البلاد وأحسنها حالاً للمسافرين. فإن الإنسان يسافر منفرداً مسيرة تسعة شهور، وتكون معه الأموال الطائلة، فلا يخاف عليها. وترتيب ذلك أن لهم في كل منزل ببلادهم فندقاً، عليه حاكم يسكن به في جماعة من الفرسان والرجال، فإذا كان بعد المغرب أو العشاء، جاء الحاكم إلى الفندق، ومعه الكاتب لكتابة أسماء جميع من يبيت به من المسافرين، وختم عليها، وأقفل باب الفندق عليهم. فإذا كان بعد الصبح جاء ومعه كاتبه فدعا كل واحد باسمه، وكتب به تفصيلاً، وبعث معهم من يوصلهم إلى المنزل الثاني له، ويأتيه ببراءة من حاكمه أن الجميع قد وصلوا إليه. وإن لم يفعل طلبه بهم. وهكذا العمل في كل منزل ببلادهم من صين الصين إلى خان بالق. وفي هذه الفنادق جميع ما يحتاج إليه المسافر من الأزواد، وخصوصاً الدجاج والإوز. وأما الغنم فهي قليلة عندهم. ولنعد إلى ذكر سفرنا فنقول: لما قطعنا البحر، كانت أول مدينة وصلنا إليها مدينة الزيتون. وهذه المدينة ليس بها زيتون، ولا بجميع بلاد أهل الصين والهند، ولكنه اسم وضع عليها، وهي مدينة عظيمة كبيرة، تصنع بها ثياب الكمخا والأطلس، وتعرف بالنسبة إليها، وتفضل على الثياب الخنساوية والخنبالقية. ومرساها من أعظم مراسي الدنيا، أو هو أعظمها. رأيت بها نحو مائة جنك كبار، وأما الصغار فلا تحصى كثرة. وهو خور كبير من البحر يدخل في البر حتى يختلط بالنهر الأعظم. وهذه المدينة وجميع بلاد الصين، يكون للإنسان بها البستان والأرض وداره في وسطها. كمثل ما هي بلدة سجلماسة ببلادنا. وبهذا عظمت بلادهم. والمسلمون ساكنون بمدينة على حدة. وفي يوم وصولي إليها رأيت بها الأمير الذي توجه إلى الهند رسولاً بالهدية، ومضى في صحبتنا وغرق به الجنك، فسلم علي، وعرف صاحب الديوان بي، فأنزلني في منزل حسن. وجاء إلي قاضي المسلمين تاج الدين الأردويلي، وهو من الأفاضل الكرماء، وشيخ الإسلام كمال الدين عبد الله الأصفهاني، وهو من الصلحاء، وجاء إلي كبار التجار، فيهم شرف الدين التبريزي، أحد التجار الذين استدنت منهم حين قدومي على الهند، وأحسنهم معاملة، حافظ القرآن، مكثر للتلاوة. وهؤلاء التجار لسكناهم في بلاد الكفار، إذا قدم عليهم المسلم فرحوا به أشد الفرح، وقالوا: جاء من أرض الإسلام. وله يعطون زكوات أموالهم، فيعود غنياً، كواحد منهم. وكان بها من المشايخ الفضلاء برهان الدين الكازروني، له زاوية خارج البلد، وإليه يدفع التجار النذور التي ينذرونها للشيخ أبي إسحق الكازروني. ولما عرف صاحب الديوان أخباري، كتب إلى القان، وهو ملكهم الأعظم، يخبره بقدومي من جهة ملك الهند. فطلبت منه أن يبعث معي من يوصلني لبلاد الصين " صين الصين " ، وهم يسمونه صين كلان، لأشاهد تلك البلاد، وهي في عمالته، بخلال ما يعود جواب القان. فأجاب إلى ذلك، وبعث معي من أصحابي من يوصلني. وركبت في النهر، في مركب يشبه أجفان بلادنا الغزوية، إلا أن الجذافين يجذفون فيه قياماً، وجميعهم في وسط المركب، والركاب في المقدم والمؤخر، ويظللون على المركب بثياب تصنع من نبات بلادهم، يشبه الكتان، وليس به، وهو أرق من القنب.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account