وسافرنا في هذا النهر سبعة وعشرين يوماً. وفي كل يوم نرسو عند الزوال بقرية، نشتري بها ما نحتاج إليه، ونصلي الظهر. ثم ننزل بالعشي إلى أخرى. وهكذا إلى أن وصلنا مدينة صين كلان " بفتح الكاف " ، وهي مدينة صين الصين، وبها يصنع الفخار، وبالزيتون أيضاً. وهنالك يصب نهر آب حياة في البحر، يسمونه مجمع البحرين. وهي من أكبر المدن، وأحسنها أسواقاً. ومن أعظم أسواقها سوق الفخار، ومنها يحمل إلى سائر بلاد الصين والهند واليمن. وفي وسط هذه المدينة كنيسة عظيمة، لها تسعة أبواب، داخل كل باب أسطوان ومصاطب، يقعد عليها الساكنون بها، وبين البابين الثاني والثالث منها موضع فيه بيوت يسكنها العميان، وأهل الزمانات. ولكل واحد منهم نفقته وكسوته من أوقاف الكنيسة. وكذلك فيما بين الأبواب كلها. وفي داخلها المارستان للمرضى، والمطبخة لطبخ الأغذية، وفيها الأطباء والخدام. وذكر لي أن الشيوخ الذين لا قدرة لهم على التكسب، لهم نفقتهم وكسوتهم بهذه الكنيسة، وكذلك الأيتام والأرامل ممن لا مال لهم. وعمر هذه الكنيسة بعض ملوكهم، وجعل هذه المدينة وما إليها من القرى والبساتين وقفاً عليها. وصور ذلك الملك مصورة بالكنيسة المذكورة، وهم يعبدونها. وفي بعض جهات هذه المدينة بلدة المسلمين، لهم بها المسجد الجامع والزاوية والسوق، ولهم قاض وشيخ. ولا بد في كل بلد من بلاد الصين من شيخ الإسلام، تكون أمور المسلمين كلها راجعة إليه، وقاض يقضي بينهم. وكان نزولي عند أوحد الدين السنجاري، وهو أحد الفضلاء الأكابر ذو الأموال الطائلة، وأقمت عنده أربعة عشر يوماً، وتحف القاضي وسائر المسلمين تتوالى علي. وكل يوم يصنعون دعوة جديدة، ويأتون إليها بالعشارين الحسان والمغنين. وليس وراء هذه المدينة مدينة، لا للكفار ولا للمسلمين. وبينها وبين سد يأجوج ومأجوج ستون يوماً فيما ذكر لي، يسكنها كفار رحالة يأكلون بني آدم إذا ظفروا بهم. ولذلك لا تسلك بلادهم ولا يسافر إليها. ولم أر بتلك البلاد من رأى السد، ولا من رأى من رآه.
حكاية عجيبة ولما كنت بصين كلان، سمعت أن بها شيخاً كبيراً قد أناف على مائتي سنة، وأنه لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث، ولا يباشر النساء، مع قوته التامة. وأنه ساكن في غار بخارجها يتعبد فيه. فتوجهت إلى الغار، فرأيته على بابه، وهو نحيف شديد الحمرة، عليه أثر عبادة، ولا لحية له. فسلمت عليه فأمسك يدي وشمها وقال للترجمان: هذا من طرف الدنيا، كما نحن من طرفها الآخر. ثم قال: لقد رأيت عجباً. أتذكر يوم قدومك الجزيرة التي فيها الكنيسة، والرجل الذي كان جالساً بين الأصنام وأعطاك عشرة دنانير من الذهب ؟ فقلت نعم: فقال: أنا هو. فقبلت يده وفكر ساعة، ثم دخل الغار، فلم يخرج إلينا. كأنه ظهر منه الندم على ما تكلم به، فتهجمنا ودخلنا الغار عليه فلم نجده، ووجدنا بعض أصحابه، ومعه جملة بوالشت من الكاغد. فقال: هذه ضيافتكم. فانصرفوا. فقلنا له: ننتظر الرجل. فقال: لو أقمتم عشر سنين لم تروه. فإن عادته إذا طلع أحد على سر من أسراره لا يراه بعده. ولا تحسب أنه غاب عنك، بل هو حاضر معك. فعجبت من ذلك. وانصرفت. فأعلمت القاضي وشيخ الإسلام وأوحد الدين السنجاري بقضيته، فقالوا: كذلك عادته مع من يأتي إليه من الغرباء، ولا يعلم أحد ما ينتحله من الأديان، والذي ظننتموه أحد أصحابه هو هو. وأخبروني أنه قد غاب عن هذه البلاد نحو خمسين سنة ثم قدم عليها منذ سنة، وكان السلاطين والمراء والكبراء يأتونه زائرين، فيعطيهم التحف على أقدارهم. ويأتيه الفقراء كل يوم، فيعطي لكل واحد على قدره. وليس بالغار الذي هو به ما يقع عليه البصر. وأنه يحدث عن السنين الماضية، ويذكر النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: لو كنت معه لنصرته. ويذكر الخليفتين عمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب بأحسن الذكر، ويثني عليهما، ويلعن يزيد بن معاوية، ويقع في معاوية. وحدثوني عنه بأمور كثيرة، وأخبرني أوحد الدين السنجاري قال: دخلت عليه الغار، فأخذ بيدي. فخيل إلي أني في قصر عظيم، وأنه قاعد فيه على سرير، وفوق رأسه تاج، وعلى جانبيه الوصائف الحسان، والفواكه تتساقط في أنهار هنالك، وتخيلت أني أخذت تفاحة لآكلها، فإذا أنا بالغار، وبين يديه، وهو يضحك مني. وأصابني مرض شديد لازمني شهوراً، فلم أعد إليه.