ومات في تلك الأيام بعض كبراء دمشق، وأوصى بمال للمساكين. فكان المتولي لإنفاذ الوصية يشتري الخبز ويفرقه عليهم كل يوم بعد العصر. فاجتمعوا في بعض الليالي وتزاحموا واختطفوا الخبز الذي يفرق عليهم، ومدوا أيديهم إلى خبز الخبازين. وبلغ ذلك الأمير أرغون شاه. فأخرج زبانيته، فكانوا حيث ما لقوا أحداً من المساكين، قالوا له: تعال تأخذ الخبز. فاجتمع منهم عدد كثير. فحبسهم تلك الليلة، وركب من الغد، وأحضرهم تحت القلعة، وأمر بقطع أيديهم وأرجلهم. وكان أكثرهم براء عن ذلك. وأخرج طائفة الحرافيش عن دمشق فانتقلوا إلى حمص وحماة وحلب. وذكر لي أنه لم يعش بعد ذلك إلا قليلاً وقتل. ثم سافرت من دمشق إلى حمص ثم إلى حماة ثم إلى المعرة ثم إلى سرمين ثم إلى حلب. وكان أمير حلب في هذا العهد الحاج رغطي " بضم الراء وسكون الغين المعجم وفتح الطاء المهمل وياء آخر الحروف مسكنة " .
حكاية
واتفق في تلك الأيام أن فقيراً يعرف بشيخ المشايخ، وهو ساكن في جبل خارج مدينة عنتاب، والناس يقصدونه ويتبركون به. وله تلميذ ملازم له، وكان متجرداً عزباً لا زوجة له، قال في بعض كلامه: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصبر عن النساء، وأنا أصبر عنهن. فشهد عليه بذلك، وثبت عند القاضي، ورفع أمره إلى ملك الأمراء، وأتي به وبتلميذه الموافق له على قوله، فأفتى القضاة الأربعة، وهم شهاب الدين المالكي، وناصر الدين العديم الحنفي، وتقي الدين الصائغ الشافعي، وعز الدين الدمشقي الحنبلي، بقتلهما معاً، فقتلا. وفي أوائل شهر ربيع الأول عام تسعة وأربعين، بلغني الخبر في حلب أن الوباء وقع بغزة، وأنه انتهى عدد الموتى فيها إلى زائد على الألف في يوم واحد. فسافرت إلى حمص، فوجدت الوباء قد وقع بها، ومات يوم دخولي إليها نحو ثلثمائة إنسان، ثم سافرت إلى دمشق ووصلتها يوم الخميس، وكان أهلها قد صاموا ثلاثة أيام ن وخرجوا يوم الجمعة إلى جامع الأقدام، حسبما ذكرناه في السفر الأول. فخفف الله الوباء عنهم، فانتهى عدد الموتى عندهم إلى ألفين وأربعمائة في اليوم، ثم سافرت إلى عجلون ثم إلى بيت المقدس، ووجدت الوباء قد ارتفع عنهم. ولقيت خطيبه عز الدين بن جماعة ابن عم عز الدين قاضي القضاة بمصر، وهو من الفضلاء الكرماء. ومرتبه على الخطابة ألف درهم في الشهر.
حكاية
وصنع الخطيب عز الدين يوماً دعوة، ودعاني فيمن دها إليها، فسألته عن سببها، فأخبرني أنه نذر أيام الوباء، أنه إن ارتفع ذلك، ومر عليه يوم لا يصلى فيه على ميت، صنع الدعوة. ثم قال لي: ولما كان بالأمس، لم أصل على ميت، فصنعت الدعوة التي نذرت. ووجدت من كنت أعهده من جميع الأشياخ بالقدس قد انتقلوا إلى جوار الله تعالى رحمهم الله، فلم يبق منهم إلا القليل، مثل المحدث العالم الإمام صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي، ومثل الصالح شرف الدين الخشي شيخ زاوية المسجد الأقصى، ولقيت الشيخ سليمان الشيرازي، فأضافني. ولم ألق بالشام ومصر من وصل إلى قدم آدم عليه السلام سواه.
ثم سافرت عن القدس، ورافقني الواعظ المحدث شرف الدين سليمان الملياني، وشيخ المغاربة بالقدس الصوفي الفاضل طلحة العبد الوادي. فوصلنا إلى مدينة الخليل عليه السلام. وزرناه ومن معه من الأنبياء عليهم السلام. ثم سرنا إلى غزة، فوجدنا معظمها خالياً من كثرة من مات بها في الوباء. وأخبرنا قاضيها أن العدول بها كانوا ثمانين، فبقي منهم الربع، وأن عدد الموتى بها انتهى إلى ألف ومائة في اليوم.
ثم سافرنا في البر، فوصلت إلى دمياط، ولقيت بها قطب الدين النفشواني، وهو صائم الدهر، ورافقني منها إلى فارسكور وسمنود ثم إلى أبي صير " بكسر الصاد المهمل وياء وراء " ، ونزلنا في زاوية لبعض المصريين بها.
حكاية