ثم سافرنا إلى جمكان " وضبط اسمها بفتح الجيم والميم والكاف وآخره نون " ، ثم سافرنا منهم إلى ميمن " وضبط اسمها بفتح الميمين وبينهما ياء آخر الحروف مسكنة وآخره نون " ، ثم سافرنا إلى بسا " وضبط اسمها بفتح الباء الموحدة والسين المهمل مع تشديدها " ، ثم إلى مدينة شيراز. فوجدنا سلطانها أبا إسحاق على ملكه إلا أنه كان غائباً عنها. ولقيت بها شيخنا الصالح العالم مجد الدين قاضي القضاة، وهو قد كف بصره، نفعه الله ونفع به. ثم سافرت إلى ماين، ثم إلى يزدخاص، ثم إلى كليل، ثم إلى كشك زر، ثم إلى أصبهان، ثم إلى تستر، ثم إلى الحويزا، ثم إلى البصرة، وقد تقدم ذكر جميعها. وزرت بالبصرة القبور الكريمة التي بها، وهي قبر الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وحليمة السعدية، وأبي بكرة، وأنس بن مالك، والحسن البصري، وثابت البناني، ومحمد بن سيرين، ومالك بن دينار، ومحمد بن واسع، وحبيب العجمي، وسهل بن عبد الله التستري، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ثم سافرنا من البصرة، فوصلنا إلى مشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وزرناه. ثم توجهنا إلى الكوفة، فزرنا مسجدها المبارك، ثم إلى الحلة، حيث مشهد صاحب الزمان، واتفق في بعض تلك الأيام أن وليها بعض الأمراء فمنع أهلها من التوجه على عادتهم إلى مسجد صاحب الزمان، وانتظاره هنالك. ومنع عنهم الدابة التي كانوا يأخذونها كل ليلة من الأمير، فأصابت ذلك الوالي علة مات منها سريعاً. فزاد ذلك في فتنة الرافضة، وقالوا: إنما أصابه ذلك لأجل منعه الدابة، فلم تمنع بعد. ثم سافرت إلى صرصر، ثم إلى مدينة بغداد. وصلتها في شوال سنة ثمان وأربعين، ولقيت بها بعض المغاربة فعرفني بكائنة طريف، واستيلاء الروم على الخضراء. جبر الله صدع الإسلام في ذلك.
ذكر سلطان العراق
وكان سلطان بغداد والعراق في عهد دخولي إليها في التاريخ المذكور الشيخ حسن ابن عمة السلطان أبي سعيد رحمه الله. ولما مات أبو سعيد استولى على ملكه بالعراق، وتزوج زوجته دلشاد بنت دمشق خواجة ابن الأمير الجوبان، حسبما كان فعله السلطان أبو سعيد من تزوج زوجة الشيخ حسن.وكان السلطان حسن غائباً عن بغداد في هذه المدة، متوجهاً لقتال السلطان أتابك افراسياب، صاحب بلاد اللور. ثم رحلت من بغداد فوصلت إلى مدينة الأنبار، ثم إلى هيت، ثم إلى الحديثة، ثم إلى عانة. وهذه البلاد من أحسن البلاد وأخصبها. والطريق فيما بينها كثير العمارة، كأن الماشي في سوق من الأسواق، وقد ذكرنا أنا لم نر ما يشبه البلاد التي على نهر الصين إلا هذه البلاد. ثم وصلت إلى مدينة الرحبة، وهي التي تنسب إلى مالك بن طوق. ومدينة الرحبة أحسن بلاد العراق، وأول بلاد الشام. ثم سافرنا إلى السخنة، وهي بلدة حسنة، أكثر سكانها الكفار من النصارى. وإنما سميت السخنة لحرارة مائها. وفيها بيوت للرجال وبيوت للنساء، يستحمون فيها، ويستقون الماء ليلاً، ويجعلونه في السطوح ليبرد. ثم سافرنا إلى تدمر، مدينة نبي الله سليمان عليه السلام، التي بنتها له الجن، كما قال النابغة:
يبنون تدمر بالصفاح والعمد
ثم سافرنا منها إلى مدينة دمشق الشام، وكانت مدة مغيبي عنها عشرين سنة كاملة. وكنت تركت بها زوجة لي حاملاً، وتعرفت وأنا ببلاد الهند أنها ولدت لي ولداً ذكراَ، فبعث حينئذ إلى جده للأم، وكان من أهل مكناسة المغرب أربعين ديناراً ذهباً هندياً. فحين وصولي إلى دمشق في هذه الكرة، لم يكن لي همٌ إلا السؤال عن ولدي. فدخلت الجامع، فوفق لي نور الدين السخاوي إمام المالكية وكبيرهم، فسلمت عليه فلم يعرفني. فعرفته بنفسي، وسألته عن الولد. فقال مات منذ اثنتي عشرة سنة. وأخبرني أن فقيهاً من أهل طنجة يقيم بالمدرسة الظاهرية، فسرت إليه لأسأله عن ولدي وأهلي، فوجدته شيخاً كبيراً، فسلمت عليه وانتسبت له، فأخبرني أن ولدي توفي منذ خمس عشرة سنة، وأن الوالدة بقيد الحياة. وأقمت بدمشق الشام بقية العام والغلاء شديد، والخبز قد انتهى إلى قيمة سبع أواقى بدرهم نقرة، وأوقيتهم أربع أواقٍ مغربية. وكان قاضي القضاة المالكية إذ ذاك جمال الدين المسلاتي، وكان من أصحاب الشيخ علاء الدين القونوي، وقدم معه دمشق، فعرف بها. ثم ولي القضاء وقاضي قضاة الشافعية تقي الدين بن السبكي، وأمير دمشق ملك الأمراء أرغون شاه.
حكاية